حينما
ندعو إلى الوحدة ونراها من أهم ضروراتنا
القائمة التي لا نستغني عنها بحال، لا نقصد
بذلك أن تذوب خصائص الفئات أو الأفراد،
فتتحول جميعاً إلى مجموعة واحدة متساوية
الأجزاء، متماثلة الأبعاض، لا يُميّز بعضها
عن بعض شيء، ولا يختص بعضها عن بعض بشيء.
كما
أننا لا ندعو إلى وحدة غامضة في سماء من
الأحلام والأوهام، تحمل عنها كل فئة صورة
غير ما تحمل عنها الأخرى، وإنما ندعو إلى
وحدة واضحة المعالم، محددة الأهداف، قريبة
المنال، قابلة للتنفيذ في ظروف العالم
الحاضر.
التحديد
والوضوح:
إن
وحدة من هذا النوع لا بد أن يمهد لها بأمرين
أساسيين:
الأمر
الأول:
أن توضع للوحدة أطروحة محددة في الأهداف،
والمحاور والعناصر، والمراحل.
الأمر
الثاني:
أن تحدد آليات التنفيذ.
فيما
يخص الأمر الأول – أي الأطروحة – فلا بد أن
يتوفر لها ما يلي:
1-
تحديد الأهداف وهل
أنها عبارة عن دفع ضرر حاضر أو متوقع، أو جلب
نفع حاضر أو متوقع؟
وبعبارة أخرى على أننا نتحد لكي نصد هجوماً سياسياً أو إعلامياً أو ثقافياً أو غير ذلك، أم أننا نتحد لكي نخوض جهاداً كذلك؟
2- تحديد المحاور التي نجتمع حولها ونتفق عليها، ولا بد لهذه المحاور أن تكون واضحة المعالم محددة الرسوم. فمثلاً حين نتخذ من الكتاب والسنة محوراً نتفق عليه، لا بد من تحديد ما نقصده بالضبط من الاتفاق حول محور الكتاب والسنة، فهل معنى ذلك أننا نتفق حول مبدأ الإيمان بحقانية الكتاب والسنة كافياً لكي يجمعنا على أمر واضح محدد؟ إننا نختلف فيما بيننا في تفسير الكتاب والسنة واستنباط المفاهيم عنهما، فلا يكفي أن نتخذ من الإيمان الكلي العام بالكتاب والسنة محوراً نتفق عليه، وإنما علينا أن نحدد المفاهيم والمبادئ المسلمة التي لا يختلف عليها سواد المسلمين مثل مرجعية الكتاب والسنة في شؤون الحياة كافة وفي كل ما يختلف عليه الناس من أمور الدنيا والآخرة، وضرورة تطبيق الإسلام على كافة مرافق الحياة، ومثل أن الإسلام يعلوه ولا يُعلى عليه، ومثل نفي السبيل للكافرين على المؤمنين، وحرمة ولاية الكافر على المؤمن ونفيها، ومثل حرمة تكفير المسلم بعد قراره بالشهادتين وأن له وعليه ما للمسلمين وعليهم، وأن المسلم أخو المسلم، وأن المسلمين كالجسد الواحد، وأنه لا فضل لمسلم على آخر، ولا لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود أو غني على فقير إلا بالتقوى، إلى غير ذلك من المبادئ المتفق عليها بين المسلمين. ولا بد من تحديد هذه الأصول والمبادئ النظرية المتفق عليها واعتبارها البيان الوحدوي المشترك الذي تجتمع عليه كلمة المسلمين، لتكون المرجع العام في تحديد محاور العمل الوحدوي بين المسلمين في كافة الأقطار.
3- تحديد عناصر العمل الوحدوي وأطرافه، فقد يتم العمل الوحدوي بين علماء الدين، أو بين المثقفين الإسلاميين، أو بينهما جميعاً، أو بين السياسيين والحركيين الإسلاميين، أو بينهم جميعاً، وما إلى ذلك. فلا بد من تحديد أطراف العمل المشترك والسعي إلى خلق دوائر من العمل الموحد المشترك ثم وصل الدوائر الضيقة بدوائر أوسع منها، وهكذا.
المراحل:
4- تحديد مراحل العمل الوحدوي أو المشترك فإن من الممكن تحديد أنواع من المراحل في مختلف الجهات التي يشتمل عليها العمل المشترك، فمثلاً يمكن تحديد مراحل العمل الوحدوي أو المشترك بلحاظ طبيعة الإشتراك الذي يتم بين الأطراف في خمس مراحل:
الأولى:
مرحلة إيقاف علميات الهدم والتخريب
والمعاداة بين العناصر والأطراف المؤتلفة
ضمن العمل الوحدوي أو المشترك.
الثانية: مرحلة التفاهم المشترك على الأصول والمبادئ والأساليب والمناهج.
الثالثة:
مرحلة التنسيق العملي والتعاون الميداني في
الواجبات، على ضوء من التفاهم المشترك.
الرابعة:
مرحلة التقارب والتآلف العملي بهدف
الانسجام التام والوصول إلى وحدة عملية تامة
جامعة.
الخامسة:
مرحلة التقارب النظري بغية الوصول إلى وحدة
نظرية تامة جامعة.
ولعلها أتم مراحل العمل
الوحدوي المشترك بين فصائل العمل الإسلامي.
الآليات:
كل هذا عن الأمر الأول وهو
الأطروحة. وأما فيما يختص الأمر الثاني وهو
تحديد آليات التنفيذ فيكون كما يلي:
أولاً:
لا بد من إيجاد أو اختيار المؤسسة أو
المؤسسات الميدانية ذات الصلاحية للقيام
بالعمل الوحدوي المشترك ضمن إطارها أو
دعمها، ومن أهم المؤسسات وأقدرها عملياً في
هذا المجال هو مؤسسة الدولة الإسلامية
المباركة والمؤسسات التابعة لها.
ثانياً:
اختيار الشعار العملي المناسب الذي يصلح
لجمع الشمل ويملك من مقومات الإشادة
والأهمية ما يجعله صالحاً عملياً لكي يجتمع
عليه أكبر قدر ممكن من أصحاب الاهتمام
بالقضايا الإسلامية، كشعار تحرير فلسطين،
وشعار تطبيق الإسلام في دار الإسلام، وشعار
حقوق الإنسان في الإسلام وغير ذلك.
ثالثاً:
استخدام المؤسسات الدولية أو ذات التأثير
الدولي في سبيل دعم مشروع العمل الوحدوي،
وتحقيق بعض أهدافه الإعلامية والسياسية.
رابعاً:
عقد حلقات التواصل والتفاهم المشترك بين
الشخصيات الإسلامية ذات التأثير على الساحة
الفكرية والثقافية أو السياسية، وذلك ضمن
ندوات أو اجتماعات أو مشاريع العمل المشترك،
بغية رفع الحواجز العاطفية والنفسية وإذابة
الثلوج بين فصائل العمل الإسلامي وشرائحه
وتياراته، وخلق الأجواء المناسبة للحوار
والتفاهم والتقارب.
خامساً:
إيجاد مشاريع التقريب والحوار بهدف إيجاد
الأجواء المناسبة للنقد الجاد لبعضنا
الآخر، وتصحيح الأخطاء النظرية والعملية،
وتقريب وجهات النظر، وتنسيق العمل الميداني
بين فئات العمل الإسلامي وتياراته ذات
الأهداف المشتركة والمقاصد الواحدة.
من هذا المنطلق يتحتم وجود
مؤسسات إسلامية علمائية – من كافة المذاهب
– تهدف إلى جمع شمل المهتمين بقضايا الإسلام
والمسلمين، وتسعى إلى تحقيق ما أمكن من
التآلف والتنسيق بين الجماعات المؤمنة،
خصوصاً في بلاد المهجر، تلك التي تشتد فيها
الحاجة إلى الوحدة والتفاهم والتنسيق.