بحث سماحة الشيخ محسن رمّال

الوحدة الفعل وليس ردة الفعل

عندما أردت أن أكتب في موضوع الوحدة الإسلامية كان في حسباني أن أتكلم عن بعض حيثياتها وفوائدها وحاجة الأمة إليها، لكن عندما طالعت بعض مصادر التشريع من كتاب وسنّة قارنت بين الواقع المعمول به وهذه المصادر وجدت فارقاً أساسياً بينهما.

فالمسلمون عندما طرحوا فكرة الوحدة الإسلامية انطلقوا – وهم معذورون في ذلك – من واقعهم المعاش من تكالب الأمم عليهم وكيد الأعداء وتربص الذين يتربصون بهم الدوائر ويتابعون تفاصيل ودقائق الأمور عند المسلمين من عقائد ومفاهيم وتفسير ومنهج حياة ويضعون كل هذه الأمور تحت المجهر ليجدوا خلافاً من هنا وآخر من هناك فيحاولون النفاذ من خلال ذلك إلى جسم الأمة ليبثوا السموم والتفرقة من باب "فرّق تسد".


الفعل وردة الفعل

ولأن منطق الدول هو منطق التسلط والهيمنة والتعامل على أساس المصالح فهم لا يوفّرون جهداً للإبقاء على سيطرتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولأن منطقهم هو هكذا ولكي يبقوا في طليعة الدول الاقتصادية فلا بد أن يكونوا هم المصدرين ونحن المستوردين. وحتى يبيعوا أسلحتهم فلا بد أن تكون هناك بؤر توتر ودول متفرقة وشعوب متناحرة ليلعبوا على تناقضاتهم فيبيعونهم السلاح وضمن شروطهم. ومن خلال حاجة هذه الدول للاقتصاد والسلاح ينفذ هؤلاء إلى السياسة من الباب الواسع. فالمسلمون الشرفاء عندما درسوا واقعهم رأوا أن خير أمر يفعلونه هو سدّ باب الذرائع أمام العالم المستكبر، ووجدوا أن سرّ هزيمتهم وفشلهم وخضوعهم هو التفرق الذي يمزقهم فنادوا بالوحدة.


ثغرات

وإلى هذا الحد يبقى الأمر مقبولاً. ولكن إذا كان مبدأ فعلنا استمراراً على هذا النهج فإننا نرى فيه ثغرات خطيرة في المستقبل، لأن أساس العمل قائم على أنه رد فعل مقابل الواقع المفروض وطالما هو كذلك فبمجرد انتهاء الأسباب الموجبة لهذه الوحدة سرعان ما يعود أمر التفرق بينهم وسرعان ما يعود تسلط الأمم عليهم من جديد. ولو طالعنا بتمعن الآيات الكريمة والسنّة الشريفة التي تتحدث عن هذا الموضوع لوجدنا أنهما تعاملا مع الفكرة على أساس أنها فعل ينبغي أن يمارسه الإنسان المسلم في عمقه وتتجلى الفكرة أثراً في مواقفه بحيث تكون الحصن الحصين بوجه الأعداء.

ولنرجع إلى دستور حياتنا ليحدثنا عن الوحدة – الفعل فيقول عز من قائل: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخوانا}.

{ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم}.

{إنما المؤمنون اخوة}.

{وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}.

{وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله}.

{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}.

{إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون}.

{واعتصموا بحبل الله جميعاً}.

هذه الآيات الكريمة تصرخ في ضمائرنا أن ربكم لا يقبلكم إلا أمة واحدة وإن تفرقتم فمحمد (ص) ليس منكم في شيء وكأنه يتبرأ منكم ساعتئذ.

ومدلول الآيات يسطع أكثر من ضوء الشمس في أن الله تعالى يريد منا أن نعيش (الفعل) في ممارستنا للوحدة لا على أنها تزلف وتملّق نبتسم في وجوه بعضنا لكننا إذا خلونا إلى أنفسنا نعود إلى ممارستنا الخاطئة.

 

هل من ناصر؟

إن مراجعة بسيطة للسنّة النبوية الشريفة من مصادر أهل السنة والشيعة تجعلنا نلمس الحث الغريب على وجوب هذه الوحدة.. فيروي صاحب بحار الأنوار هذا الحديث.. "المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيء منه وجد ألم ذلك في سائر جسده وأرواحهما من روح واحدة"..

ويروي مسلم في صحيحه: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". ويروي أيضاً: "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضا".

وفي هذا المضمون عشرات الأحاديث لسنا في مجال عرضها.

 

انقلابات

من هذا المنطلق انطلق الإمام الخميني (قده) في مشروعه واضعاً نصب عينيه مرضاة الله في ذلك ومصلحة الإسلام قبل كل شيء.. فقد قال رضوان الله عليه: "نريد أن يكون المسلمون يداً واحدة على من سواهم، فكل فريق مستقل ومختار في بيته وشؤونه الخاصة ولكن بما أنه مسلم فالواجب أن يعقد أواصر الأخوة مع سائر المسلمين وعلى الجيوش في الدول الإسلامية أن يساند بعضها بعضاً".

هذا كله من جهة التنظير لأصل الفكرة، وأما من الناحية التطبيقية فإننا نلاحظ أن نوعاً من التخبط والتعثر يحصل مما يخلق حالة تراجعية لدى الناس عندما يلاحظون عدم جديتها أو عدم واقعيتها فيخافون من الضياع أمامها ويرجعون إلى مواقعهم المذهبية بشغف واندفاع وخوف تماماً كما يفعل الطفل الخائف من التهويل الغامض المحيط به عندما يفزع بكل لهفته وخوفه إلى حضن أمه، مما يقوي الروح الانقسامية أكثر ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء (على حد تعبير آية الله فضل الله) وهذا ما لاحظناه أخيراً في الحادث الذي حصل مؤخراً في بيروت حيث لاحظنا أن الكثير ممن كانوا معنا في الخط من هذا الطرف أو ذاك سرعان ما انقلبوا على أعقابهم ضاربين بعرض الحائط كل المحاذير التي سوف تترتب عليها فعلتهم.


نداء

في هذا المقام نتوجه إلى المعنيين وأولي الأمر منهم أن يتنادوا إلى لقاء يضعون فيه النقاط على الحروف والأساليب الممكنة والناجعة التي يمكن أن تأخذ بأيدينا إلى بر الأمان، لأنه قد مر على فكرة الوحدة تاريخ طويل انطلق بها المصلحون الصادقون بأساليب شتى ولكن ذلك لم يغير في واقع التجزئة شيئاً على الرغم من الحماس الذي تثيره الفكرة عند الكثيرين، فالمطلوب أن نناقش جدوى هذه الأساليب ونبقي على النافع منها ونلقي بالفاسد منها ونحصن الجديد فيها، فهل من ناصر؟.