![]() |
الوحدة في ظل النظام العالمي الجديد
سماحة الشيخ أحمد الزين
|
لقد أحسن الإمام الخميني رضوان الله عليه حين جعل موضوع الوحدة الإسلامية مطلباً أساسياً من مطالب الثورة الإسلامية في إيران، لأن الوحدة الإسلامية في الأصل مطلب شرعي إذ أنها واكبت الدعوة الإسلامية منذ بزوغها في مكة المكرمة حين دعا سيدنا ومولانا رسول الله (ص) إلى الإسلام، التقى حوله المسلم القرشي إلى جانب المسلم الحبشي، ومعهما الرومي والفارسي، فكانت الدعوة الإسلامية منذ البداية دعوة للوحدة بين الناس، ويؤكد هذا المعنى قوله تبارك وتعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾.
الحاجة إلى الوحدة
لقد مارس المسلمون الوحدة الإسلامية على الأرض وفي الواقع، وخصوصاً حين اتسعت رقعة الدولة الإسلامية وطرقت أبواب الصين، ودخلت إلى قلب سائر القارات، حينها كان المسلم يجوب الأرض من مكان إلى مكان، ومن قارة إلى أخرى، وهو يشعر بالأخوة الإسلامية التي تربط بين جميع المسلمين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نجد أنفسنا اليوم بحاجة ماسة إلى هذه الوحدة لكي نستطيع أن ندافع عن ديننا وقيمنا وعن أوطاننا وثغورنا، نحتاج إلى الوحدة الإسلامية لكي نواجه بها السياسة المفتتة للأمة والمفرقة للشعوب الإسلامية، هذه السياسة التي تعتمدها دول الإستكبار العالمي، والتي تعمل على تفتيت المسلمين في كل مكان بقصد إلحاق الضعف بهم، والسيطرة عليهم في كافة المجالات.
ثم لا ننسى أن العصر الذي نعيشه هو عصر التوحيد بين مختلف الأمم والشعوب، فها هو العالم الأوروبي يتوحد، وكذلك في الولايات المتحدة الأميركية، العالم كله يسير نحو التوحد والتجمع والتنسيق، بينما نرى سياسة النظام الدولي تعمل جاهدة على تفتيت المسلمين وتشتيتهم، لهذا نجد أنفسنا بحاجة إلى سياسة وحدوية تعتمدها الشعوب الإسلامية أولاً، والدول الإسلامية الحاكمة التي عليها أن تلتزم بسياسة الوحدة الإسلامية، وتمارسها على الأرض.
الوحدة والنظام الدولي الجديد
لقد عانينا وأصبنا بمصائب عديدة بسبب تفرقنا وضعفنا، وها هم المسلمون في أكثر من منطقة يضرب بعضهم بعضاً تنفيذاً لسياسة مرسومة، والقصد منها إلحاق الضعف بالمسلمين. أما إذا أردنا أن نتحدث عما وصلت إليه الوحدة الإسلامية في أيامنا هذه، وما يمكن أن يتحقق في المستقبل، نقول وبأسف شديد، أن المسلمين كدول ومؤسسات ساروا ويسيرون على سياسة التفرقة والتشتت فيما بينهم، كنا إلى وقت قريب نتظاهر بمظهر الوحدة إن كان ذلك من خلال الجامعة العربية أو من خلال المؤتمر الإسلامي، إلا أننا اليوم لا نرى أثراً للجامعة العربية، وكذلك لا وجود للمؤتمر الإسلامي ولقرارته، والدول العربية والإسلامية أمام ما تصاب به من مصائب وضربات كالأيتام على مأدبة اللئام، لا تنتهي من ضربة في جانب حتى تلحقها ضربات في جانب آخر. وما جرى من حصار لليبيا والعراق وما يجري الآن من تآمر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما حدث من صلح مع "إسرائيل" ابتداءً من كامب ديفيد، وانتقالاً إلى اتفاقية منظمة التحرير الفلسطينية مع "إسرائيل" في غزة وأريحا، ووصولاً إلى الاتفاق الأردني – الإسرائيلي سيراً على سياسة الاستفراد التي تصر عليها "إسرائيل"، وعدم التقاء واجتماع العرب على قرار واحد، وعلى سياسة واحدة، إن هذا لدليل على غياب السياسة الوحدوية بين العرب والمسلمين. إلا أننا نتفاءل مما نرى ونسمع من نهضة إسلامية على صعيد الشعوب الإسلامية، وانتشار الوعي الإسلامي في كل مكان، هذا الوعي الذي لا ينحصر في الدول العربية والإسلامية، وإنما يتجاوزه إلى قلب أوروبا وأميركا، وذلك في الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية ومواجهة السياسة الاستعمارية والاستكبارية والمتمثلة اليوم بالنظام الدولي الجديد وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، إننا نرى الإسلاميين يرفعون لواء المعارضة لهذا النظام الدولي الجديد، كما يواجهونه المواجهة المسلحة في أكثر من مكان، بحيث أصبح الإسلام اليوم في مواجهة مباشرة مع نظام الاستكبار العالمي، والعالم اليوم ينظر إلى الإسلام كنظام بديل للنظام الدولي الحالي، الذي يضع السلطة في يد القلة من أصحاب الشركات ورؤوس الأموال ليتحكموا ويهيمنوا على ثروات العالم، ويسيطروا على مقادير الأمم، ويعملوا على سن التشريعات وعلى تطبيق السياسة والهيمنة على الناحية العسكرية من أجل زيادة ثرواتهم، ولو ألحق ذلك الظلم والتشريد والدمار في كثير من شعوب الأرض. إن هذا النظام الدولي الجديد نظام ظالم يلحق الظلم في كثير من شعوب الأرض، وينشر الجوع والحرمان في سائر القارات، وذلك لمصلحة عدد قليل من المتحكمين، وهذا لا يمكن أن يستمر على هذه الأرض، والعالم اليوم لا يرى بديلاً لهذا النظام إلا الإسلام الذي يواجه هذا الظلم وخصوصاً بعد انكفاء النظام الشيوعي، وانفراط عقد الاتحاد السوفياتي.
التقاء الإسلاميين والشورى
إن الإسلاميين وإن انتشروا في أكثر من منطقة في ربوع الأرض، إلا أنهم يلتقون على عقيدة التوحيد، وعلى كون كتاب الله تبارك وتعالى الأصل للتشريعات، وعلى هدي رسول الله (ص)، وعلى تحقيق العدالة والحرية والمساواة لجميع البشر، يلتقون على هذا، وإن اختلفت ألسنتهم وجنسياتهم ومناطقهم. والذي نطالب به مستقبلاً أن يلتقي الإسلاميون الحركيون ليشكلوا الشورى التي دعا إليها القرآن الكريم، ولينسقوا تحركهم في مواجهة الاستكبار العالمي، ولا يصح أبداً التباعد بين هذه الحركات ولا بد أن تكون الخطوة الأولى على طريق الوحدة التقاء الإسلاميين للشورى والتنسيق فيما بينهم وخصوصاً حين نرى العدو أكثر تنظيماً وتنسيقاً وترتيباً ويكاد يلتقي على قرار واحد في محاربة الإسلام والمسلمين، فهل يجوز أن نواجه هذا القرار بتشتت فيما بيننا، ما علينا إلا أن نلتقي على قرار رفع راية الإسلام والدفاع عن هذا الدين الحنيف، ولا يسعني إلا أن أنوّه بما تحمله الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مسؤولية طرح الوحدة الإسلامية التي بدأت بمفجر الثورة الإسلامية الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه، واستمرت بتحمل قائد الأمة السيد علي خامنئي (حفظه الله) لتحمل المسؤولية ولرفع راية الوحدة، ويظهر ذلك بالاهتمامات العديدة التي نلاحظها اتجاه الشعوب الإسلامية ونضالاتها وجهادها في مختلف المناطق والبلاد الإسلامية، داعين المسلمين في كل مكان إلى الالتفات إلى وحدة القيادة التي بدونها لا وحدة بين المسلمين.
![]()