

الإسلام – في جوهره – ليس مشروع انفصال عن العالم، أعني أن الإسلام – ديناً ونظاماً وعقيدة – لا يريد أن يقيم أمة عاجزة عن الاحتفاظ بخصوصياتها إذا هي أرادت أن تتواصل مع الأمم الأخرى، وتقيم معها أمتن الأواصر وأعمق أشكال التفاعل والاتصال، بل العكس هو الصحيح، فالأمة التي يقترحها الإسلام ويصوغ آفاق وجودها ويؤسس «لمزاجها الحضاري» هي أمة لا تستطيع أن تعيش في الفراغ، ولا أن تعيش في ذاتها لذاتها.. أي إنها لا تستطيع أن تقيم مشروعها الحضاري بمعزل عن اعتبار الآخر.. حيث «الآخر» هنا – بالنسبة للإسلام – ليس موضوعاً للنفي المتبادل، إنه مجال لانصهار ما.. مجال لتفاعل وتعارف واغتناء، وبالتالي فإن أبرز خصوصيات الإسلام كونه مشروعاً مفتوحاً على العالم إلى حدود، وبدون تحفظات تقريباً.
ونحن ما نزال بحاجة للتمييز بين مفهومين للإسلام، إذ نلاحظ أن كثيراً من الذين يحاولون التعبير عن توجهات الإسلام في كثير من الشؤون الفكرية والثقافية والحضارية يخلطون بينهما.
الإسلام التاريخي البشري
وهو الذي تشكل على صورة أمة ذات أجيال متعاقبة (نحن الآن جيلها الأخير ولسنا آخر أجيالها)، وهذا الإسلام ليس آخر إمكانيات الإسلام في صياغة الوجود البشري ولا أقصى تجلياته على هذا الصعيد.. وبالتالي فإن أي كلام – في ضوء هذا الإسلام التاريخي البشري – لن يكون كلاماً حاسماً ونهائياً ومطلقاً.. فإذا اتجه الكلام لرصد الخصوصيات الإسلامية مثلاً، فهو يرصدها بوصفها مفهوم الأمة لخصوصياتها الإسلامية ضمن اللحظة التاريخية التي تتفاعل فيها مع الإسلام.
فإذا صدر عن بعض المفكرين كلام حاسم وقاطع في مرحلة تاريخية ذات مواصفات ومعطيات معينة يقول بأن العالم الإسلامي الراهن يعيش في جاهلية جديدة، وأن أنظمة هذا العالم الإسلامي هي أنظمة كافرة، وأن الانتماء إلى الإسلام يقضي بالقطع مع هذا العالم القائم، والانفصال الكامل عنه. فإن هذا القول لا يجوز أخذه كما لو أنه حقيقة إسلامية مطلقة، بل لا بد من النظر بالبعد التاريخي لهذا القول.. أي في العوامل والظروف والمعطيات والأزمات والملابسات التي تجمعت وحتمت على مفكر إسلامي في لحظة ما أن ينتج هذه الرؤية «الإسلامية» للعالم القائم حوله، وهذه الرؤية – على كل حال وبالتأكيد – هي رؤية إسلامية للعالم، ولكنها ليست رؤية الإسلام نفسه.. بمعنى أن الإسلام نفسه يمكن أن يتمخض في رؤية مفكر إسلامي آخر في صورة مخالفة ومختلفة تماماً دون أن يكون لهذا الاختلاف أي أثر في نفي الصورة الإسلامية عن هاتين الرؤيتين المختلفتين، أو عن أي منهما.
مفهوم الإسلام بما هو إسلام: أي بما هو النص الإسلامي الأول، والذي منه خرج الإسلام التاريخي البشري، والإسلام بهذا المعنى ما زال قابلاً لتوليد صورة جديدة لمزيد من التفاعل التاريخي البشري، مع النص الإسلامي، والإسلام بهذا المعنى أيضاً هو المصدر الأساس للمساءلة والاستنطاق بشأن مسائل معاصرة لم يجر استنطاقه من قبل السابقين بشأنها حيث كان العلماء والمفكرون والمعنيون السابقون يستنطقون الإسلام بشأن قضايا معاصرة لهم تلح عليهم، فيقدمون إجاباتهم من خلال النص الإسلامي الموجود بين أيديهم، وهذا النص نفسه هو الموجود بين أيدينا الآن، وما زال يحمل إمكانيات لإجابات لها طبيعة عصرنا وإشكالياته المختلفة والخاصة.
بين النص الإسلامي وترجمته
بعد هذا التمييز لهذين المفهومين عن الإسلام، يصبح الكلام على «الخصوصيات» بحاجة إلى تمييز دقيق بين ما هو خصوصيات للنص الإسلامي، وبين ما هو خصوصيات للترجمة البشرية التاريخية لهذا النص الإسلامي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن مفهوم الخصوصية قد يتجه اتجاهاً آخر فيكون تعبيراً عن خصوصية واقع راهن للأمة الإسلامية أو للشعوب الإسلامية أو لكل شعب من هذه الشعوب على حدة ضمن هذا العالم المعاصر الذي نعيش فيه.
يتهيأ لي أن النظر في واقعنا الإسلامي المعاصر ينبغي أن يتحرر إلى حد بعيد من أشكال النظر التي مارسها المسلمون السابقون بحيث يكون لنا رؤية إسلامية مستلهمة من النص الإسلامي الأول، بمعنى أن يكون لنا اجتهادنا الذي تمليه علينا أسئلة عصرنا، ونحن ننظر في أحوال الواقع الإسلامي وأزماته الحضارية والفكرية والسياسية، وإني لأزعم أن مجمل الاجتهادات والرؤى والتنظيرات التي يتم إنتاجها عبر الفكر الإسلامي المعاصر ما زالت تصدر عن تأثر بالاجتهادات والرؤى التي استخلصها علماء مجتهدون سابقون في عصور مختلفة.. وأزعم أيضاً أن المعطيات التي يزخر بها عصرنا تشكل نقلة نوعية بالمقارنة مع المحطات التاريخية السابقة لنا كمسلمين تتطلب – حكماً – مواجهة نوعية للنص الإسلامي من جهة، ولكيفية إطلاق إمكاناته المخبوءة والتي لم يجر إطلاقها حتى الآن؛ وهنا أستدرك بأن المرحلة التي شهدت قيام الاستعمار الغربي باحتلال بلاد المسلمين، شهدت بعضاً من المحاولات غير الكافية للتعاون مع النص الإسلامي على ضوء الوقائع الجديدة، أي حاولت إطلاق بعض إمكانيات النص خصوصاً بشأن قضايا كالعلاقة مع الغرب.. مع منجزاته الحضارية: فكراً وفلسفة وتقنية وسياسة، ولكنها قدمت إمكانيات النص على مستوى مواجهة المراحل الأولى والمبكرة لإشكالية علاقة الإسلام بالغرب.
أما وقد تسارعت تداعيات التطور الغربي وتشكلت صور جديدة ومعقدة للعلاقة بين الغرب وديار الإسلام، ولم يعد الشكل الاستعماري السابق قائماً، وأصبحت صور السيطرة والهيمنة والتأثير أكثر تركيباً، فإنه لم يعد من الممكن اعتماد الأفكار التي أنتجها مفكرو عصر النهضة الإسلاميون، بل لا بد من إنتاج رؤية إسلامية تواكب هذه التعقيدات الجديدة.
الخصوصيات في مقابل النظام العالمي
هل نحن جزء من هذا العالم المعاصر؟!
وإذا كنا كذلك فهل نحن قادرون على إقامة حاجز بيننا وبين هذا العالم يسمح في تطوير واقعنا، وتمكيننا من التأثير في صياغة صورة هذا العالم دون أن نتبادل مستويات التأثير، وهل لنا مشكلات مختلفة عن مشكلات العالم الثالث الذي نحن جزء منه؟ أم أن نوعية المشكلات التي تفرضها التطورات الشاملة في عالمنا المعاصر باتت قادرة على تجاوز خصوصيات الأمم والشعوب لتصهر الجميع في نظام كوني واحد تحكمه قوانين متماثلة، بحيث تصبح خصوصيات الشعوب والأمم فيه معدومة أو مجرد ذاكرة تاريخية.
قد يكون من
سمات النظام العالمي القائم الذي يجري تحضيره ادعاء الكونية فيه، لكننا لا نرى أن
مثل هذا التطلع أو الطموح الذي تطلقه أدبيات مشروع النظام الدولي يعبر عن نضوج
حقيقي يؤهل قيادة العالم اليوم لنقلة نوعية في تاريخ البشر، يضعهم جميعاً في إطار
موحد واهتمامات متماثلة ويلغي خصوصياتهم.
بل نرى أن شعارات النظام الدولي على هذا الصعيد ليست سوى تطوير للحركة الاستعمارية الغربية التي بدأت منذ قرون، وليست سوى شكلاً جديداً من أشكال التعبير عن شهوة السيطرة على العالم وترويضه مجالاً لمصالحها الدائمة والصاعدة باستمرار، هنا تبرز الأهمية البالغة لتأكيد الخصوصيات لدى الشعوب المعنية بالتحرر من هذه الهيمنة الجديدة ذات الأيديولوجية المغرقة في غربيتها على الرغم من ادعائها بأن عصر الأيديولوجيات قد انتهى.
وهنا بالذات تبرز أهمية الخصوصيات الغنية للحضارة الإسلامية وشعوبها على النحو الذي يجعل التمسك بهذه الخصوصيات شكلاً من أشكال التحرر من هذه الهيمنة المفروضة، ولكنه في الوقت نفسه يتطلب الاحتكاك المباشر بين وعي إسلامي عميق ودقيق وغني لمشكلات العصر، وبين النص الإسلامي الذي أشرنا إليه آنفاً وقلنا أنه يحمل إمكانات غنية لم تُستنفد حتى الآن.
بهذا المعنى فإن خصوصياتنا الإسلامية قد تكون بمفهوم ما عامل إعاقة لنا ضد ولوجنا هذا العصر وانتزاع مكان مؤثر فيه، وقد تكون بمفهوم آخر عامل حيوية بالغة في انتزاع موقع مؤثر وفاعل في عالمنا المعاصر.
إطلاق الخصوصيات بإنجاز الحريات
بسبب ما تقدم، فإني أزعم أن المنحى الذي ستتخذه مسيرة النهضة الإسلامية المعاصرة والراهنة، هو منحى مختلف كما سبق للحركات الإسلامية إن اتخذته، وستكون السمة الأساسية لهذا المنحى ذات اتجاهين يسيران في عرض واحد:
الاتجاه الأول: احتدام حركة تحرير الوجود الاجتماعي والسياسي الإسلامي الراهن من أشكال السلطة التي تهيمن على هذا الواقع، والتي شكلت مصدراً لتجميده وهزيمته على مدى قرون متعددة بهدف إنتاج مجتمع إسلامي سياسي يوجد فيه أكبر قدر من حريات التعبير والاختيار لإطلاق كوامن الإبداع التي ظلت محاصرة بالاستبداد السياسي والاجتماعي، وباسم الإسلام أحياناً.
الاتجاه الثاني: وهو كما أشرت يتماهى مع الاتجاه الأول ويلامسه، وهو تحرير العقل الإسلامي الذي هو حتى الآن ما يزال مجموعة من القواعد والنظم والقيم المنتجة (بفتح التاء) لتخدم سلطة هذا المجتمع، وتنتج لهذه السلطة الثقافة والقيم والمفاهيم التي تمكنها من الاستمرار، ولا شك أن هذا الاتجاه وهو يقارع هذه «السلطة» لن يقارعها من خارج الإسلام، بل سيقارعها من داخل الإسلام نفسه، بأن يُعيد إنتاج نصه الإسلامي بالعلاقة مع النص الأصلي مع القرآن والسنة النبوية بأكثر مما ينتج نصه بالاعتماد على النصوص التاريخية أي على اجتهاد السابقين قد امتلكت شروطها في التحرر من الارتهان لسلطات عصرها، فهي بهذا المعنى تصبح مادة التواصل مع النص الإسلامي المعاصر لإنتاج واقع إسلامي يشكل انقلاباً على سلطة نص السلطة ليقيم بنية إسلامية جديدة تغتني بخصوصياتها من جهة، وتقترب أكثر لانتزاع مكان مؤثر في الفكر العالمي المعاصر من جهة أخرى وفي دوائر التأثير في صياغة واقع العالم المعاصر. ويجب، حسب هذا الزعم، إيجاد نوع من التوازن الدقيق – وهو مفقود حالياً مع الأسف – بين الحركات السياسية التي تعبر عنها التيارات الإسلامية، وبين إنتاج الرؤية الفكرية، وإنتاج تيارات للاجتهاد الفكري الإسلامي بما يعطي لحركة النهوض الإسلامي توازنها المطلوب إزاء تحديات الذات وتحديات الآخر.
وأخيراً، فإنه لا يمكن، بل يستحيل التعبير عن الخصوصيات الإسلامية – وهي عناصر كافية في النسيج الداخلي للأفراد والأمة معاً – إلا بإنجاز أوسع دائرة للحريات الفردية والعامة التي بدونها لا يمكن إطلاق هذه الخصوصيات، والتي بدونها أيضاً لا يمكن اكتشاف خصوصيات كامنة وغير ظاهرة، وقد تكون أكثر أهمية من الخصوصيات المعروفة والظاهرة في بنيات مجتمعنا الإسلامي في وضعيته الراهنة.
إن خصوصيات الشعوب والأمم هي في جوهرها تلك الكوامن المخبوءة وراء مظاهر وجودها، ويستحيل التعبير عنها تعبيراً فاعلاً وحيوياً دون إنجاز قدر كبير من الحريات السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية وعلى كل الصعد.
![]()