قضية الوحدة الإسلامية في عالم متغير

الشيخ الدكتور صلاح الدين أرقه دان

أدى تضارب المصالح بين دول العالم الحديث، وتوزيع النفوذ، والعمل على السيطرة على مقدرات الآخرين لتحقيق الرفاهية المطلوبة للشعوب الغالبة على حساب الشعوب المغلوبة، إلى وقوف أصحاب النفوذ في وجه كل ما يؤدي إلى قوة المستضعفين وإمكان تحررهم وتمردهم على المرسوم لهم من مد القوى العظمى بالأيدي العاملة الشابة والعقول المهاجرة والمواد الأولية وتحقيق سوق استهلاكية واسعة للمنتوجات، وبالتالي تشغيل عجلة الحياة هناك حيث المال والسلطة وآلة الإنتاج، حتى قيل أن ارتفاع نسبة البطالة في العالم الصناع تؤدي – في الغالب – إلى إشعال الفتنة في مكان ما من العالم الثالث، تحريكاً لعجلة الاقتصاد بتشغيل مصانع السلاح والذخيرة وبيع السلاح والخبرة "الأمنية" لكل محتاج.

ومشروع "الوحدة" مشروع يرتبط بأبعاد حضارية، منها امتلاك الأمة لأمرها كله في جميع ميادين قوتها كالاقتصاد والمواد الأولية، والموارد البشرية، وبالتالي فرض ما تريده هي لا ما يريده أصحاب النفوذ الدولي. ولذلك نضيف إلى عوامل الضعف الداخلي، والأسباب الذاتية لحال الفرقة، التدخل الخارجي الساعي للحيلولة بكل ما يملك الآخرون بين أمتنا وتحقيق أمانيها في الوحدة وسواها. وتتمثل العقبات الداخلية في عدد من المعطيات والتحديات، على رأسها ضبابية مفهوم الوحدة، والإغراق في النظرة المثالية، نتيجة ردة الفعل على حالة التجزئة القائمة والمستمرة، والتخوف من انتزاع السلطان أو الثروة، أو إشاعة الأنظمة الحاكمة المرفوضة من قبل البعض لأسباب عقدية أو سياسية أو اقتصادية، والتسلط الفردي والظلم القومي المتمثل بطمس الهوية الشخصية، وفرض المسائل بالإكراه، وغياب الشورى، وهي كلها عوامل مساعدة وأساسية في تنفير الأمة عن القبول بالوحدة المطروحة بعيداً عن أسباب النجاح الموضوعية وتحقيق المصالح المعتبرة شرعاً وعرفاً وقانوناً.

ولقد تمثل التدخل الخارجي سابقاً بالاستعمار المباشر، الذي عمل على إضعاف الأمة وتفتيتها بشتى الوسائل المتاحة، كما في معاهدة سايكس – بيكو التي وزعت تركة "الدولة العثمانية" (الرجل المريض) على دول الحلفاء عقب الحرب العالمية الأولى، كما عملت على زرع دولة "إسرائيل" في قلب العالم العربي، واقتطاع أجزاء جغرافية من الدول المستحدثة تتداخل بينها لتشكل قنابل موقوتة تحول بين هذه الدول والتفاهم الاستراتيجي. ويتمثل التدخل الخارجي حالياً بالاستعمار غير المباشر، والذي أضحى أمام ظروف البعض مطلباً ملحاً ومقبولاً للتخلص من ظلم العربي للعربي وظلم المسلم للمسلم.

تأسيساً على ما مر، نؤكد أنه لا يصح انطلاق "الوحدة" المطلوبة والواجبة من فراغ ولا ضبابية، وهي تحتاج إلى برامج واضحة تراعي أسباب النجاح وتتجنب أسباب الفشل. ولتحقيق ذلك لا بد من سبيل واضح وهادف، قد يظهر للبعض طويلاً إلا أنه أكثر ضمانة من المشاريع العاطفية غير المستوفية لشروط النجاح. نحن بحاجة إلى تحقيق القناعة المشتركة والثقافة المشتركة والمصلحة المشتركة.

ولا يتم ذلك إلا بالممارسة القائمة على خطوات مدروسة تستمد من النص الشرعي، كما تراعي "الواقع" و "الضروري" ولا يكفي في القناعة المشتركة رفع "الشعار" فقط وإنما نحتاج إلى تجديد المفهوم، كي لا نقع في الكلام على مسمى واحد بمفاهيم وتصورات مختلفة. فهل وحدتنا وحدة انصهارية أم هي وحدة التكامل؟ وهل هي مطلوبة لذاتها أم لتحقيق مصالح "الأمة"؟

ولوحدة من هذا النوع المنشود لا بد من ثقافة واحدة، ثقافة لا تقوم فقط على المخزون الشعبي، وإنما ترتبط بالمنهج الدراسي والمنهج الإعلامي والمنهج السياسي، ثقافة تشعرك وأنت تنتقل من بلد عربي إلى آخر، ومن بلد إسلامي إلى غيره، أنك تتجول داخل بلدك، لتكون الاختلافات أقرب إلى التنوع منها إلى التناقضات.

وإلى جانب وحدة الفهم ووحدة الثقافة، ووحدة الشعور بالطمأنينة على النفس والمال والعرض وتلمس احترام القيمة الإنسانية والكرامة البشرية، فكثيراً ما يشعر الواحد منا بذلك في دول الغرب المستكبر، بينما يعتريه الخوف والرعب عند انتقاله في أكثر بلاد المسلمين، حتى بات تجاوز مراكز الحدود الرسمية من التجارب المرة التي يحسب لها المرء ألف حساب، ويحتاج معها إلى صبر ومجاهدة لا يعلم مداها إلا الله.

إن تحقيق المصلحة المشروعة، من العوامل الأكيدة المشجعة على المضي قدماً في طريق العمل الوحدوي والاستمساك بعروتها، وتوفيق الله تعالى هو أولاً وآخراً الفيصل في النجاح.