عندما
نثني ونحيي الأصوات التي تدعو إلى الوحدة
الإسلامية وتعمل في إطارها فإننا لا نكون في
مقام المدح بقدر ما نكون في مقام استشراف
الواقع الذي هو مليء بالثقوب والأمراض، بحيث
أصبح معظم المسلمين منسحقين أمام العديد من
المشكلات والأعداء. ومن العجيب إغفال مسألة
الوحدة وغياب الطرح الجاد في معظم وسائل
الإعلام.. لا سيما المجلات الفكرية ذات
الطابع الإسلامي التي تصدر في العديد من
الدول المسلمة.
وحتى
إذا طرحت مسألة الوحدة في كتابات بعض
المفكرين.. فإنك لا تجد فيها روح الإخلاص
والنصيحة، والحرص على الوصول بها إلى مرتبة
الحقيقة المعاشة، بل تطرح بنحو خاو من
الحيوية والمعاناة.. وتجعلها أقرب إلى الترف
الفكري منها إلى الدواء الناجع، وإذا وجد
الإخلاص في طروحات البعض الآخر فهو قد ينطلق
من تصورها موقفاً سياسياً خاضعاً للظروف
الآتية التي تعيشها الساحة ليكون في الوحدة
الإسلامية لوناً من التحالف الضروري
لمواجهة الخصوم، الأمر الذي ينزع عنها
نقاءها الرسالي المبدئي بوصفها واحداً من
الأركان المهمة في مجتمع المسلمين وقلوبهم،
والأمر الذي يجعل هذا المفهوم آنياً سطحياً
يبقى ما بقيت الظروف ثم يزول بزوالها لتكون
الوحدة مجرد علاج عابر لا حالة صحية دائمة
ثابتة.
ولم
تقف هذه الروح عند صانعيها بل تعدتهم إلى
جمهور الناس الذي يأنس بهذه الطروحات ويبتسم
لها في المهرجانات والمواقف العامة فإذا خلا
إلى نفسه وإلى بني جنسه تبرز كل الظواهر التي
يبطنها هذا المسلم في ذاته على الآخرين من
أهل المذهب المخالف.
وليس ما يدعى إليه من قبل
التيار الإسلامي المؤمن هو مجرد انسجام مع
الوحدة كموقف سياسي آني.. حتى لو فهمها البعض
كذلك، لأن مفهوم الوحدة الإسلامية هو جزء من
آثار المعتقد والأيديولوجيا الإسلامية.. بل
هي ركن من عموم الفكر الإسلامي.. يقاس به
سلامة الانتماء إلى الإسلام عند وضع
الموازين.
ولسنا مضطرين لنسوق الأدلة
على هذا الأمر عندما نملك بديهة الانتماء
إلى دين واحد تقل فيه الأمور التي نختلف
عليها، وما كانت مقاييس الوحدة في أي أمر من
الأمور تعني ضرورة التوافق في الرأي..
والتحول إلى نسخة مكررة ينعدم فيها الاختلال
والتمايز.
هذه البديهة مسلمة عند
الجميع.. وعلى أساسها يتم التعامل حتى بين
المختلفين في الرأي داخل المذهب الواحد، أو
بين المذاهب المختلفة المنضوية في إطار
عقائدي واحد. وليس يعني هذا القبول للاختلاف
إلا أن النفس قد تربت على المودة لهذا الفريق
المعين والتعاون العفوي معه والارتباط
الطبيعي به، وهذا المرتكز الأخلاقي (المودة)
هو جوهر التضامن الاجتماعي وأساس وحدة
الجماعة الإسلامية. وبقدر ما تنمو في ذات
الفرد وتتعزز من خلال تقوى الله تعالى بقدر
ما توثق عرى الوحدة وتصبح أمراً عفوياً في
حياة الفرد والجماعة.
وبملاحظة هذا الأمر – أيضاً
– لا يصبح لكثير من المقولات أهميتها، من
قبل ضرورة وحدة القيادة.. أو حدة الفتاوى
الفقهية.. أو وحدة المرتكزات العقائدية.. أو
غيرها، لأن مثل هذه الأمور لا تخلق وحدة
نفسية ذات مرتكز أخلاقي، بل هي تساعد على
إزالة الحواجز لثبات هذا المرتكز الأخلاقي،
وللتأكيد على ذلك نرى أن أفراداً من أسرة
واحدة من بلد واحد من مذهب واحد.. يتباغضون
ويتنافسون عندما يفقدون الإحساس بالمودة
كموقف أخلاقي من الآخرين، وعلى عكسه نرى
مؤمنين تقيين يتحابان في الله مهما تباعدت
المواطن أو اختلفت الأذواق.
والذي يظهر من الآيات
الكريمة في مسألة الوحدة قد يؤكد ما نذهب
إليه، ففي تأكيد الآية الكريمة لرسول الله (ص)
{لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين
قلوبهم ولكن الله ألف بينهم} على أن التأليف
الذي حصل بين قلوب المسلمين إنما هو من الله
تعالى.. في هذا التأكيد ما يشير إلى أن مسألة
التآلف والوحدة إنما هي مسألة نفسية أخلاقية
تنبع من المحبة للمؤمنين حتى حدود القبول
بالتضحية في سبيلهم، في الوقت الذي لا تهتم
فيه هذه الآية الكريمة.. بأثر لقيادة النبي (ص)
المجمع عليها.. ولا للعقيدة التي لا خلاف
فيها..
وهذا المعنى نفسه يبدو من
الآية الثانية {واذكروا نعمة الله عليكم إذ
كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته
إخوانا} حيث يتم التأكيد على دور العناية
الإلهية في هذا الأمر.
وأعود للتأكيد بأني لا ألغي
دور الأمور الأخرى في قضية الوحدة. ولكني أرى
أن جماع هذه الأمور وأساسها هو هذه المودة
التي يجب على المؤمن أن يجاهد نفسه ليحصلها..
ليس على صعيد علاقته بإخوانه من أبناء
المذهب الآخر بل – أيضاً – على صعيد علاقته
بأسرته وأرحامه وأتباع مذهبه، حيث هي سمة
إيمانية تعز على التحصيل إلا عند من بلغوا
الإيمان في ركنيه..
تقوى الله.. ومكارم الأخلاق.
وهي تظهر في انعكاساتها:
1-
رغبة في الخير للآخرين، وإخلاصاً في
النصيحة لهم، حيث يكون في التعاطي الفكري
والعملي إصرار على الوصول إلى مرتبة الكمال.
2- احتراماً للخصوصيات الفكرية والمزاجية ناتجاً عن الاحترام الحقيقي لذات هذا المسلم، فينعكس هدوءاً في المحاورة.. وتقديراً للرأي.. ورغبة في التعرف على الحق.. وتركاً للدخول في كل ما يسيء.
3- استعداداً للتضحية في سبيل الآخرين.. بعد زوال الغل وأسباب النفرة والتباغض من داخل النفس.
وحصول هذه الأمور هو كل
المطلوب من أجل وحدة رائعة باقية، تعز على
الفتن والهزات، وتبقى معيناً للموقف
السياسي.. الذي لا يتم في الفراغ وإنما ينطلق
من مرتكزات ثابتة راسخة تعطيه النجاح
والسداد.