بحث سماحة الشيخ وهيب مغنية

ضرورة الوحدة الإسلامية وضرورياتها

عندما نتكلم عن الوحدة الإسلامية لا نتكلم عن قضية تعيش في عالم المفردات في الأذهان، وعلى مستوى الآمال والتمنيات، بل نتحدث عنها كقضية على مستوى التحديات والصراعات.

ولا نسوق الحديث عنها لمجرد المحاباة والمراءاة، إنما نتحرك من منطلق قناعاتنا وإراداتنا التي تفرض علينا التجرد عن العصبيات والمذهبيات، وكثيراً ما نُظر للوحدة وآفاقها وتطلعاتها، ومُلئت الصحف والمجلات والكتب، والخطب حول ضرورتها والعمل من أجلها.

ولكن بقي كل ذلك مجرد أحلام وتمنيات ورغبات تدغدغ مشاعرنا وأحاسيسنا، لأن في قبليات البعض منا من يحكم على اتخاذ المواقف الجريئة والصريحة، متحدياً بذلك كل الموروثات المذهبية والعصبيات الطائفية.

لذلك نرى أن نتاج هذه الوحدة ما يزال غير مرض، وليس في مستوى الشعور بالمسؤولية ولا في مستوى التحديات المعاصرة. فالعالم المستكبر يعمل جاهداً على كسر هيبة المسلمين وعلى إحباط كل ما من شأنه أن يوحدهم، ويلم شعثهم، ويجمع طاقاتهم وقدراتهم سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر.

 

المشكلة

والغرب المتغطرس لا يفرق بين أبناء الملّة الواحدة، فيعتبر السنة والشيعة كتلة واحدة ويوجه ضرباته إليهم لأنه في إضعاف طرف إسقاط للطرف الآخر، أحسسنا بذلك أم لا؟ غفلنا أم تغافلنا؟ جهلنا أم تجاهلنا؟ هذه حقيقة مؤكدة لا مفر منها. وهذا الكلام ليس شيئاً جديداً! وإن من له أدنى معرفة بالسياسات الاستعمارية يدرك ذلك بلا تأمل.

ولكن المصيبة تكمن أنه مع علمنا بذلك لا نحرك ساكناً! ولا نعمل للحيلولة دون بلوغ أهدافه ومراميه، ويمكن أن يعتبر هذا النوع من السكوت سماحاً للغرب الحاقد بالتغلغل إلى البيت الإسلامي ليعبث فيه من الداخل وليقوّض أركانه ويشيد مملكته على أنقاض وأطلال المسلمين.

إذاً أين تكمن المشكلة؟

المشكلة أننا نرى تبعات أعمال بعض من لا يدركون المسؤولية ولا يتحسسون المشاعر الإسلامية النابعة من التخلف والجهل بالمصلحة الإسلامية، على بعضنا البعض لنتنصل من هذه التبعات، ولنوهم أنفسنا أن الخطأ على فلان أو على هذه الجهة أو تلك، ثم يأوي كل واحد منا إلى مرتعه وبيته الطائفي والمذهبي ليؤيد صحة مقالته بعبثية الوحدة الإسلامية، وكأن القيامة قد قامت.

هؤلاء الناس معذورون في حكمهم لأنهم جاهلون بمصالح الأمة لا ينظرون إلى أبعد من أنوفهم ولا أبعد من نزعاتهم الفردية أو الطائفية. ولا يفكرون بمصالح المسلمين ومصلحة الأمة جميعاً، تلك الأمة التي قيّض لها بأن تكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فما دام خير الأمة يكمن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأي منكر سياسي أفحش من ذاك الإنسان الذي يدّعي بأنه مسلم موحّد ثم يعمل عن قصد أو عن غير قصد على تقويض الوحدة، وأي منكر أفسد من ذلك الذي يمرر من خلال قنواته بخار المستعمر لينفث أبخرته السامة في أجواء المسلمين.

وأي معروف أفضل من الدعوة إلى الوحدة والتآلف والتآزر والتعاون. فإذا كنا ندعو من هم على غير ملتنا إلى الكلمة السواء كلمة التوحيد العملي، فما بالنا نحن الموحدون نختبئ وراء أصابعنا وندفن رؤوسنا في الرمل كأن الأمر لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد؟ أم أننا ممّن يصدق عليه قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} أو نكون مصداقاً للآية الشريفة: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.

 

ضروريات الوحدة

من هنا نرى أن ضرورة الوحدة الإسلامية ليست ضرورة وقائية أو ضرورة مرحلية، بل نسعى ونعمل من أجل أن تكون ضرورة استمرارية وضمانة وحصانة لدرء الأخطار العدوانية في كل مفاصل حياتنا وحركتنا.

إن الوحدة الإسلامية ضرورة إسلامية كبرى، وضرورة إنسانية واجتماعية وسياسية، واقتصادية، ضرورة لكل الأجيال المسلمة المتعاقبة.

لأنه إذا عملنا بالطرق الصحيحة والسليمة لتحقيق الوحدة وقربنا المسافات وألغينا الفروقات المذهبية والعنصرية والقومية سوف تتحقق الوحدة الميدانية العملية سواء حصل ذلك في جيلنا الحاضر أم في الجيل الآتي.

إننا إذا لم نوفق في المرحلة الحالية لتحقيق ما نرمي إليه، فلا أقل من أن نعمل جاهدين لوضع الأسس والركائز المثبّتة لجيل المستقبل.

ومن المسلّمات عند كل العاملين في سبيل الوحدة قديماً وحديثاً، أنه ليس معنى الوحدة بأن يصبح السني شيعياً ولا الشيعي سنياً؛ (وإن كنا نطمح إلى مرحلة نصل فيها إلى مستوى تخولنا فيه الضرورة الإسلامية بأن نقتحم المحرمات المذهبية، ونجلس على مائدة علمية واحدة نناقش ونتحاور في كل المسائل التي تتصل بحياة المسلمين الخاصة والعامة العقائدية والفقهية).

فالوحدة المنشودة والميسورة التي لا عذر فيها لمعتذر هي الوحدة السياسية والمصلحة الإسلامية العليا المشتركة، التي من خلالها نريد أن نبني أمة متماسكة صلبة تتكسر أمام صلابتها معاول الهدامين والمنافقين والمستعمرين.

إن من ضروريات الوحدة الإسلامية الحفاظ على الهوية الإسلامية والشخصية الرسالية التي تطرح رسالتها وتعبر عن هويتها بشكل حضاري.

من ضروريات هذه الوحدة الإسلامية العمل السياسي المشترك بين كل الفصائل الإسلامية والشرائح الاجتماعية المسلمة وتنسيق الجهود في شتى الميادين الثقافية والسياسية والبرلمانية والحكومية في مصب واحد. التي تنبثق عن خطة سياسية مشتركة مدروسة بعمق تحافظ فيها على مصالح الأمة ومنجزاتها.

ومن ضرورات الوحدة الإسلامية البحث والتنقيب عن القواسم المشتركة التي تحفظ للأمة كيانها وعزتها وشرفها.


الشعار والممارسة

وإذا أردنا التكلم بكل صراحة وجرأة بلا ممالأة أو تملق، لتساءلنا: أين الوحدة في شعارها وبيانها، في منهجها وطريقها؟

هل يكفي أن تلتقي الجهات والممثليات المذهبية لتحقق الوحدة، ونحن نعلم يقيناً أنها مجرد أعراف دبلوماسية وتصنعات تكلفها؟.

هل يكفي مجرد الصعود على المنابر وإلقاء الخطب على محافل الناس حول ضرورة الوحدة والناس لا تلمس الجدية في هذا الخطيب أو ذاك؟

هل يكفي الخطاب السياسي العام للحركات الإسلامية في توجيه وتوحيد المسلمين على قاعدة المصالح المشتركة، والعاملون في الحركة الإسلامية ما يزالون يعيشون في الأقبية والتجاويف والتضاريس السياسية الخاصة بكل فريق بحجة أو أخرى؟

لماذا كل هذا الحياء في طرح الوحدة الإسلامية؟ هل لأن العنوان أكبر من طموحاتنا ومساعينا؟ أم أن مساعينا وطموحاتنا ليست على مستوى الشعار والعنوان؟

لا أقول أنه لا يوجد تحرك في هذا الاتجاه، لكنها محاولات خجولة وأظنها من أكبر العوائق أمام تحقيق الوحدة.

فإذا أراد كل واحد منا أن يبقى ينظر إلى الوحدة على مستوى التصورات من دون السعي الجاد للعمل على تحقيقها أظن بأنه يخادع نفسه وأمته، وسوف يبقى الباب مفتوحاً أمام المستعمر ليتلاعب بمصير أمتنا وشعوبنا.

إن من بركات الجمهورية الإسلامية المظفرة أنها أرست قواعد الوحدة واللحمة بين المسلمين، وفتحت كل الآفاق أمام الوحدة الحقيقية على مستوى الشعار والممارسة، وعلينا الاستفادة من هذا الخط في سبيل توطيد أواصر اللحمة والوحدة والإلفة لتعم جميع المسلمين في العالم.

وعلينا أن نستغل كل الجهود التي تتحرك في خط الوحدة لنستنفد كل ما عندنا لخير ومصلحة المسلمين. أليست هذه الجهود الطيبة التي نراها الآن هي تتميم لما سعى إليه العاملون في بداية هذا القرن؟

من مساعي السيد جمال الدين إلى الشيخ مرتضى الأنصاري والكواكبي والشيخ محمد عبده والميرزا النائيني إلى حسن البنا والسيد قطب فالإمام الخميني (قده) وانتهاء بكل العاملين المخلصين المشرفين على نهاية هذا القرن؟

أليس في ذلك عظة وعبرة؟ أليس من حقهم علينا أن نكمل ما بنوه ونحقق ما سعوا إليه فنكون بذلك أمة تستحق العيش بعز وكرامة، ونفوّت الفرصة على الاستكبار ونحطم إرادته وعنفوانه وكبرياءه.

إن في هذه الدعوة دقٌّ لناقوس الخطر الداهم علينا من قبل الأعداء المتربصين بنا الدوائر والذين يعملون بلا كلل ولا ملل لإحاكة المؤامرة تلو المؤامرة لهذه الأمة وإذا استمرينا في الغفوة والسبات فإن التيار سوف يجرنا إلى الهاوية.

فالوحدة الإسلامية من ضرورات العمل الإسلامي وضرورة العمل الإسلامي في الوحدة.