تمهيد:

الحمد لله القائل (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً).

والصلاة والسلام على سيدنا محمد (ص) القائل «من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وعلى آله الأطهار القائلين: «وحج البيت والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر، ويكفران الذنب ويوجبان الجنة». تحف العقول.

والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين.

أما بعد: هذا الكتاب حول مناسك الحج والعمرة على ضوء المذاهب الإسلامية المعتبرة وعلى وجه الخصوص المذهب الجعفري مذهب الإمامية الاثني عشرية، والمذهب الحنفي، والشافعي، المالكي، والحنبلي. وبعض أقوال العلماء من الصحابة والتابعين، لتكون الوحدة بين المسلمين، في الأعمال قبل الأقوال، ولا يعني الوحدة بين المسلمين أن يترك صاحب المذهب مذهبه، بل يحترم كل صاحب مذهب المذاهب الأخرى وينظر إليها بعين الاحترام والتقدير، حيث أن هذه الأمة أمة واحدة، والله تبارك وتعالى أمرنا بالاعتصام بحبل الله جميعاً، وحبل الله هو الدين والإسلام والرسول (ص)، والشريعة الغراء.

وهذه رسالة تجمع العلماء المسلمين في لبنان، والعمل على وحدة الأمة الإسلامية، المستهدفة اليوم من أعداء الدين حتى يبقى الإسلام ممزق مفَّرق ومشوه الصورة الحقيقية، فعلينا اليوم أكثر من قبل أن نتوحد ونتعاون على وحدة الصف والكلمة، في وجه الاستعمار القائل: «فرق تسد»، ومن أعظم وسائل الوحدة الإسلامية فريضة الحج، حيث يقف جميع الحجاج على صعيد واحد، بلباس واحد، يدعون رباً واحداً، الأسود والأبيض، الرجل والمرأة، الحُر والعبد، الغني والفقير يرجون رحمة الله، والصلاة ترمز إلى الوحدة والصيام والزكاة والصدقات حيث يقف الغني بجانب الفقير، كل هذا يشكل بناءً متراصاّ متماسكاً كالبنيان المرصوص، كل ذلك ليتعلم العباد من العبادة وأسرارها قول الله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) صدق الله العظيم‏

                                                                                                                والحمد لله رب العالمين‏

العبد الفقير إلى الله تعالى‏

الشيخ دياب المهداوي‏

عضو تجمع العلماء المسلمين في لبنان‏


 

مقدمة:

في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات إلى الفتنة المذهبية من أجل تمرير مخططات الاستكبار العالمي وعلى رأسه الشيطان الأكبر الولايات المتحدة الأمريكية خدمة لبقاء واستمرار دولة إسرائيل التي تترنح اليوم أمام ضربات المقاومة والتي ابتدأت سلسلة هزائمها منذ الاندحار الذليل لها على وقع ضربات المجاهدين الأبطال في المقاومة الإسلامية، والتي ما كانت لتكون لولا وحدة المسلمين في هذا البلد.

وجدنا في تجمع العلماء المسلمين أن أفضل وأفعل وأقوى رد على هذه الدعوات هو العمل لمزيد من تعميق الوحدة الإسلامية وإفشال كافة مخططات أعداء الأمة، وإرشاد الجاهل من أبنائها إلى أن العدو الحقيقي، هو الكيان الصهيوني الغاصب والأمريكي المحتل، وأن صرف الجهد في الخلافات الداخلية مهما تعاظمت لن يؤدي سوى إلى إطالة أمد الاحتلال لبلادنا العزيزة.

ومن ضمن هذا التوجه وجدنا في تجمع العلماء المسلمين أن العمل للوحدة الإسلامية يجب أن يكون عملاً تكاملياً لا يتعرض لجانب دون آخر بل يتعرض لكافة الجوانب من الفكر إلى الثقافة إلى الفقه والجهاد.

لذلك كانت هذه الخطوة المباركة على أعتاب موسم الحج المبارك من العام ألف وأربعمائة وستة وعشرين للهجرة كي تكون رافداً من روافد هذه الوحدة الإسلامية المنشودة.

نحن من خلال هذا الكتاب «مناسك الحج على المذاهب الخمسة» نريد أن نؤكد على ما يلي:

أولاً: إن الخلافات الفقهية ليست محصورة بين السنة والشيعة بل هي خلافات في نفس المذهب.

ثانياً: إننا لا نسعى من أجل توحيد الفقه فليست هذه هي الغاية من وراء الوحدة التي نريد، بل نريد أن نوحد أهدافنا ومنطلقاتنا، أما الخلاف في الرأي فلا مانع منه، بل هو يغني تجربتنا الإسلامية فهو خلاف في الرأي ضمن الوحدة وليس طريقاً للعداوة بين الفرق والمذاهب الإسلامية.

ثالثاً: لا مشكلة لدينا في أن نعلن عن الرأي الفقهي لكل منا فهو رأي محترم وصل إليه الفقيه من خلال بذل الجهد والاجتهاد انطلاقاً من النص وحيث أنه جهد الفقيه فسيختلف قطعاً بين فقيه وآخر.

نأمل من الله عز وجل أن يوفقنا لإتمام سلسلة فقهية كاملة، فيما هو في معرض ابتلاء الأمة بشكل عام.

وهذا الكتاب بعد كتاب الصوم على المذاهب الخمسة هو خطوة أخرى على هذا الصعيد.

وأحب أن أذكر هنا أننا بيّنا الرأي الفقهي الشائع عند الشيعة الإمامية دون التعرض لرأي مجتهد محدد.

وأخيراً ندعو الله عز وجل أن يحفظ هذه الأمة موحدة ويبعد عنها شبح الفتنة البغيضة إنه سميع مجيب.

رئيس الهيئة الإدارية في تجمع العلماء المسلمين‏

الشيخ حسان عبد الله‏

15 شعبان 1426هـ

 الموافق: 20 أيلول 2005م.


 

يتضمَّن هذا الكتاب:

أولاً: ذكر آيات القرآن عن الحج في سائر سور القرآن الكريم.

ثانياً: ذكر الأحاديث النبوية الشريفة في كتب السنة والشيعة.

ثالثاً: كل مسألة قدر الإمكان أن تبدأ بآية قرآنية تتحدث حول المسألة.

رابعاً: اعتمدنا النص من كتاب الفقه على المذاهب الخمسة (الشيخ محمد جواد مغنية) مع الاختصار في بعض النصوص وزيادة وشرح، وتعليق ما يلزم في ما ينبغي توضيحه.

واستعنا بالكتب الإسلامية التي فيها ذكر المسائل الخلافية عند المسلمين.

1- الخلاف  للطوسي.

2- الفقه على المذاهب الأربعة - عبد الرحمن الجزيري.

3- المباني البديعة في اختلاف أهل الشريعة.

4- رحمة الأمة في اختلاف الأئمة.

5- الفقه على المذاهب الخمسة - الشيخ محمد مغنية.

6- بداية المجتهد - ابن رشد القرطبي.


 

آيات الحج في القرآن:

 قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (سورة آل عمران: 96 - 97).

 وقال الله تعالى:

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأََلْبَابِ) (سورة البقرة: 197).

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ...) (سورة الحج 27 - 28).

 قال الله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة الحج: 36).


 

أحاديث شريفة عن الحج:

1- قال رسول الله محمد (ص): «من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»(1).

2- قال رسول الله محمد (ص):

«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة»(2).

3- قال رسول الله (ص):

«الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم»(3).

أحاديث شريفة عن الحج عن طريق أهل البيت (ع):

1- قال الإمام علي (ع): «وحج البيت والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر، ويكفران الذنب ويوجبان الجنة»(4).

2- قال الإمام الصادق (ع): «عليكم بحج هذا البيت فأدمنوه فإن في إدمانكم الحج دفع مكاره الدنيا عنكم، وأهوال يوم القيامة»(5).

3- قال الإمام الباقر (ع): «الحج تسكين القلوب»(6).

4- قال الإمام الصادق (ع): «من مات في طريق مكة ذاهباً أو جائياً، أمن من الفزع يوم القيامة»(7).


 

الحج‏

شروطه:

يجب الحج بشرط البلوغ والعقل والاستطاعة.

البلوغ:

لا يجب الحج على الصبي مميزاً كان أو غير مميز، وإن حج المميز يصح، ويكون تطوعاً، لا يسقط عنه الفرض، ويجب عليه الأداء بعد البلوغ والاستطاعة بالاتفاق إذا لم يبلغ قبل الموقف.

ويجوز لولي الصبي غير المميز أن يحج به، فيلبسه ثوب الإحرام، ويلقنه التلبية، إن أحسنها، وإلا لبى عنه، ويجنبه المحرمات التي يمنع عنها الحاج، ويأمره بكل فعل يتمكن من مباشرته، ويستنيب عنه فيما يعجز عن إتيانه.

واختلفوا في أمرين يتصلان بحج الصبي المميز:

الأول: هل يصح الحج منه سواء أذن الولي، أم لم يأذن.

الثاني: لو بلغ قبل الموقف، هل يجزيه عن الفرض أم لا؟

قال الإمامية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: إذن الولي شرط لصحة الإحرام.

وقال أبو حنيفة: لا يتصف حج الصبي بالصحة، وإن كان مميزاً، سواء أأذن الولي أم لم يأذن، لأن الغاية منه التمرين ليس إلا. (فتح الباري والمغني والتذكرة).

وقال الإمامية والحنابلة والشافعية: إذا بلغ قبل الموقف أجزاه عن حجة الإسلام. وقال الإمامية والمالكية: إن جدد إحراماً أجزاه وإلا فلا.. ومعنى هذا أنه يستأنف الحج من جديد. (التذكرة).

الجنون:

المجنون ليس محلاً للتكليف، فلو حج، وافترض أن أتى بكل ما هو مطلوب من العاقل لم يجزه عن الفرض لو عاد إليه عقله، وإذا كان جنونه إدوارياً وأفاق مدة تتسع لأداء الحج بتمام أجزائه وشروطه وجب عليه، وإن لم يتسع وقت الإفاقة لجميع الأعمال سقط عنه الوجوب.

الاستطاعة:

الاستطاعة شرط لوجوب الحج بالاتفاق، لقوله جل وعز: «من استطاع إليه سبيلاً» واختلفوا في معنى الاستطاعة وقد جاء تحديدها في الأحاديث الشريفة: «بالزاد والراحلة». والراحلة كناية عن أجرة السفر والانتقال إلى مكة ذهاباً وإياباً، ثم العودة إلى بلده... والزاد عبارة عما يحتاج إليه من مال للانتقال والمأكل والمشرب وأجرة السكن ونفقات جواز السفر، وما إلى ذلك من الأشياء اللائقة بحاله ووضعه، على أن يكون ذلك كله زائداً عن ديونه ومؤونة عياله، وما يضطر إليه من مصدر معاشه، كالأرض للفلاح، والآلات لصاحب الحرفة، ورأس المال للتاجر، هذا مع الأمن على نفسه وماله وعرضه، ولم يخالف في ذلك إلا المالكية، فإنهم قالوا: من قدر على المشي وجب عليه الحج، كما أنهم لم يستثنوا نفقة أهله وعياله، وأوجبوا عليه أن يبيع ما يحتاج إليه من وسائل عيشه من أرض وماشية واله، بل حتى كتب العلم وثياب الزينة. (الفقه على المذاهب الأربعة). ولو أن شخصاً لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، ومع ذلك تجشم وتكلف وحج، ثم استطاع، فهل تجب عليه الإعادة؟ أو تكفيه الأولى عن الفرض؟

قال المالكية والحنفية: يجزيه، ولا تجب عليه الإعادة لو استطاع. (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنابلة: من ترك حقاً يلزمه، كوفاء الدين، وحج أجزأه عن الفرض (منار السبيل، وفتح القدير، والفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الإمامية: لا يجزيه ذلك عن الفرض لو استطاع، لأن المشروط يدور مدار شرطه وجوداً وعدماً، وقبل الاستطاعة لا وجوب... وعليه ينعقد الحج نفلاً، وبعدها يتحقق شرط الحج، فتجب الإعادة.

الفور:

قال الإمامية والمالكية والحنابلة: إن وجوب الحج فوري، ولا يجوز تأخيره عن أول أزمنة الامكان، فإن أخر فقد عصى، ولكن يصح حجه، ويكون أداء لو أتى به فيما بعد، قال صاحب الجواهر: «المراد بالفورية وجوب المبادرة إلى الحج في أول عام الاستطاعة، وإلا ففيما يليه، وهكذا.. وحينئذ فلا ريب في عصيانه بالتأخير، مع التمكن من إتيانه مع الرفقة الأولى من دون وثوق بغيرها».

وقال الشافعية: إن وجوب الحج على التراخي، لا على الفور، فيجوز تأخيره إلى أي وقت شاء.

وقال أبو يوسف : هو واجب على الفور. وقال محمد بن الحسن: بل على التراخي، ولا نص فيه عن أبي حنفية.

ولكن بعض أصحابه قال: «هو عنده على الفور، لأن الأمر عنده كذلك».


 

فروع الاستطاعة:

حج النساء:

هل يشترط لحج النساء شرط زائد على حج الرجال؟

اتفقوا على أنه لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج الواجب، ولا يجوز له منعها عنه، واختلفوا في التي لا تجد زوجاً ولا محرماً يصحبها: هل يجب عليها الحج أم لا؟

قال الإمامية والمالكية والشافعية: ليس المحرم أو الزوج شرطاً بحال، سواء أكانت المرأة شابة أم عجوزاً، متزوجة أو غير متزوجة، لأن المحرم وسيلة للأمان معها لا غاية بنفسه، وعليه فعندما تكون في أمان على نفسها في السفر، وإما غير أمينة، فعلى الأول يجب عليها الحج، ولا أثر لوجود المحرم، وعلى الثاني لا تكون مستطيعة، حتى ولو كان معها محرم.

وعليه فلا فرق بين الرجل والمرأة من هذه الجهة. ومهما يكن، فقد كان لهذا البحث وأمثاله وجه فيما سبق، حيث كان السفر طويلاً، والطريق مخوفاً، أما اليوم فلا تترتب عليه أية ثمرة، لأن الناس في أمن وأمان على أنفسهم وأموالهم أنى اتجهوا.

وقال الحنابلة والحنفية: إن وجود الزوج أو المحرم شرط لحج المرأة، وإن كانت عجوزاً، ولا يجوز لها أن تحج بدونه... ولكن الحنفية اشترطوا أن يكون بين مكان المرأة، وبين مكة مسافة ثلاثة أيام.

البذل:

جاء في كتاب «المغني» للحنابلة: إذا بذل شخص مالاً لغيره فلا يجب عليه أن يقبل البذل، ولا يصير مستطيعاً بذلك، سواء أكان الباذل أجنبياً أم قريباً، وسواء أبذل له الركوب والزاد، أم لا. وعن الشافعي أنه إذا بذل له ولده ما يتمكن به من الحج لزمه، لأنه تمكن من الحج من غير منة تلزمه، ولا ضير يلحق به».

وقال الإمامية: إذا أعطاه مالاً على سبيل الهدية دون أن يشترط عليه الحج لم يجب عليه كائناً من كان الباذل، وإن بذل مشترطاً عليه الحج وجب القبول، ولا يجوز أن يرفض، حتى ولو كان الباذل أجنبياً، لأنه والحال هذه يكون مستطيعاً.

 الزواج:

لو كان عنده من المال ما يكفيه للحج فقط، أو للزواج فقط، فأيهما يقدم؟

جاء في «فتح القدير» للحنفية ج‏2 - باب الحج: مع أن التزويج قد يكون واجباً في بعض الأحوال دليل على أن الحج لا يجوز تأخيره.

وقال الشافعية والحنابلة والمحققون من الإمامية(8): يقدم الزواج إذا كان في تركه حرج عليه ومشقة، ولا يقدم الحج. (كفاية الأخيار، والمغني والعروة الوثقى).

الخمس والزكاة:

الخمس والزكاة مقدمان على الحج، ولا استطاعة إلا بعد وفائهما، تماماً كغيرهما من الديون عند الإمامية.

وعند السنة المشهود أن الحج يصح ولكنه يأثم إن لم يدفع حق المال.

الاستطاعة بالصدفة:

من ذهب إلى بلد قريب من مكة المكرمة بقصد التجارة أو غيرها وبقي فيه إلى أيام الحج، وأمكنه الوصول إلى بيت الله الحرام يصير مستطيعاً، فإن عاد إلى وطنه قبل أن يؤدي الحج أستقر في ذمته بالاتفاق.


 

الاستنابة

أقسام العبادات:

تنقسم العبادات، من حيث البدنية والمالية إلى ثلاثة أقسام:

1- بدنية محضة، لا أثر فيها للمال، كالصوم والصلاة، وقال الأربعة:

هذا النوع لا يقبل النيابة بحال، لا عن الأموات، ولا عن الأحياء. وقال الإمامية: يقبلها عن الأموات فقط، أما الحي فلا يجوز له أن يستنيب من يصلي أو يصوم عنه بحال.

2- مالية محضة، لا أثر فيها للبدن وعمله، كالخمس والزكاة، وهذا النوع يقبل النيابة بالاتفاق، فيجوز لمالك أن يوكل من يخرج عنه زكاة ماله، وسائر صدقاته.

3- مركَّبة من البدنية والمالية، كالحج فإنه يفتقر إلى العمل كالطواف والسعي والرمي، وإلى المال لأجرة السفر ومستلزماته. وقد اتفقوا قولاً واحداً على أن القادر على الحج بنفسه الجامع للشروط يجب عليه إيقاعه مباشرة، ولا يجوز له الاستنابة فيه، وإن استناب غيره لم يجزه، ووجب عليه أن يحج بنفسه، فإن لم يفعل، قال الشافعية والحنابلة والإمامية: لا يسقط عنه الفرض بالموت تغليباً لجانب المالية، ووجب أن يستأجر عنه بأجرة المثل، إن لم يوصِ بالحج، على أن تخرج الأجرة من صلب التركة(9).

وقال الحنفية والمالكية: يسقط عنه الحج لجهة البدنية، ولكنه إذا أوصى به يخرج من الثلث كسائر التبرعات، وإن لم يوصِ فلا تجب الاستنابة.

القادر العاجز:

من جميع شروط الحاج مادياً، ولكنه عجز عن مباشرته بنفسه لهرم، أو مرض لا يرجى برؤه سقطت عنه المباشرة بالاتفاق، لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). ولكن هل يجب أن يستأجر من ينوب عنه، وإذا لم يفعل هل ترك واجباً استقر في ذمته؟

اتفقوا - ما عدا المالكية - على أنه يجب عليه أن يستأجر من يحج عنه، فهل يجب عليه أن يحج بنفسه؟

قال الحنابلة: لا يجب عليه حج آخر.

وقال الإمامية والشافعية والحنفية: بل يجب، لأن ما فعله كان واجباً في ماله، وهذا واجب في بدنه (المغني والتذكرة).

الاستنابة في المستحب:

قال الحنفية والإمامية: من قضى ما عليه من حجة الإسلام، ثم أحب أن يستنيب عنه بآخر تطوعاً واستحباباً فله ذلك، وإن تمكن من المباشرة بنفسه.

وقال الشافعي لا يجوز.

وعن أحمد روايتان: المنع والجواز.

وقال المالكية: يجوز للمريض الذي لا يرجى برؤه، ولمن حج حجة الإسلام أن يستأجر غيره للحج، ويصح حجه، ولكن ذلك مكروه، ولا يكتب الحج للمستأجر، وإنما يقع مستحباً للأجير، وللمستأجر ثواب الإعانة على الحج، وبركة الدعاء، وإذا حج عن الميت بوصية منه أو غير وصية، فلا يكتب له أصلاً لا فرضاً ولا نقلاً، ولا تسقط به حجة الإسلام. (الفقه على المذاهب الأربعة).

شروط النائب:

يشترط في النائب البلوغ والعقل والإسلام وفراغ ذمته من حج واجب، والوثوق بالأداء، ويجوز أن ينوب الرجل عن المرأة، والمرأة عن الرجل، وإن كان كل من النائب والمنوب عنه صرورة(10).

وقالت الإمامية باعتبار أن يكون النائب اثني عشرياً على الأحوط.

وهل يبتدئ النائب السير إلى الحج من بلده، أو من بلد الميت، أو من أحد المواقيت؟

قال الحنفية والمالكية: يحج عنه من بلد الميت إذا لم يعين المنوب عنه المكان، وإلا أخذ بقوله.

وقال الشافعية: المدار على الميقات، فإن عين ميقاتاً خاصاً وجب العمل بقوله، وإلا تخير الأجير من أي ميقات شاء.

وقال الحنابلة: يجب أن يحج عنه من المكان الذي وجب عليه فيه الحج، لا من المكان الذي مات فيه، فإذا استطاع في المهجر، ثم عاد إلى بلده، ومات فيه، فيستناب عنه من مهجره، لا من وطنه إذا كان بين وطنه ومهجره أقل من مسافة القصر.

وقال الإمامية: الحجة منها بلدية، وهي التي تكون من بلد الميت، ومنها ميقاته، وهي من الميقات، فإن عين إحداهما تعينت، وإن أطلق، ولم يبين فإن كان هناك انصراف إلى إحداهما فبها، وإلا تكون الحجة ميقاتية، ويحج عنه من أقرب ميقات إلى مكة، إن أمكن، وإلا فمن أقرب ميقات إلى بلد الميت، وأجرة الميقاتية من أصل التركة في الحج الواجب، وما زاد عن الميقاتية فمن الثلث. (الجواهر).

واشترط الإمامية:

1- معرفة النائب بأفعال الحج ولو بإرشاد معلم حال العمل.

2- عدم اشتغال ذمته بحج واجب عن نفسه في ذلك العام.

3- أن لا يكون النائب معذوراً في ترك بعض أفعال الحج.

تأخير النيابة:

إذا استؤجر النائب وجبت عليه المبادرة، ولا يجوز أن يؤخر الحج عن السنة الأولى، وليس له أن يستنيب غيره، لأن الفعل مضاف إليه، وإذا لم نعلم بأنه ذهب إلى الحج وقام بأعماله فالأصل عدم الإتيان، حتى يثبت العكس، وإذا علمنا أنه ذهب، وقام بالأعمال على وجه الإجمال، وشككنا: هل أتى بها صحيحة، كما ينبغي، أو أنه أخل بشيء من الواجبات حملنا فعله على الصحة، حتى يثبت العكس.

العدول:

قال الحنفية والإمامية: إذا عين المستنيب نوعاً خاصاً للنائب، كالتمتع أو الإفراد أو القرآن فلا يجوز العدول إلى غيره.

أما إذا عين الحج من بلد خاص فابتدأ من بلد آخر فإن لم يتعلق غرض المستأجر بذلك أجزأ، لأن سلوك الطريق غير مقصود لذاته، وإنما المقصود بالذات الحج، وقد حصل (التذكرة، والفقه على المذاهب الأربعة).


 

العمرة

قال الله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ...) (البقرة 2 - 196)

معناها:

معنى العمرة لغةً الزيارة بوجه العموم، وشرعاً زيارة بيت الله الحرام بنحو خاص.

أقسامها:

تنقسم العمرة إلى مفردة مستقلة عن الحج، ووقتها طوال أيام السنة بالاتفاق، وأفضل أوقاتها عند الإمامية شهر رجب وعند غيرهم شهر رمضان. وإلى منضمة إلى الحج، بحيث يأتي بها الناسك أولاً، ثم يأتي بأعمال الحج في سفرة واحدة، كما يفعل حجاج الأقطار البعيدة عن مكة المكرمة ووقتها أشهر الحج، وهي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، بالاتفاق على خلاف بين الفقهاء في ذي الحجة: هل هو بكامله من أشهر الحج، أو الثلث الأول منه. ولو أتى بالعمرة منضمة. إلى الحج سقط وجوب المفردة عند من قال بوجوبها.

الفرق بين العمرتين عند الإمامية:

فرق السيد الخوئي بين العمرة المفردة وعمرة التمتع بأمور:

1- إن طواف النساء - يأتي معناه - واجب في العمرة المفردة، ولا يجب في عمرة التمتع، وقال بعضهم: لا يشرع فيها.

2- إن وقت عمرة التمتع يبتدئ من أول شوال إلى اليوم التاسع من ذي الحجة، أما العمرة المفردة فوقتها طوال أيام السنة.

3- إن المعتمر بعمرة التمتع والحج يقعان في سنة واحدة، وليس كذلك في العمرة المفردة.

4- إن المعتمر بعمرة التمتع يجب عليه التقصير، وفي العمرة المفردة مخير بين الحلق والتقصير هذا في الرجال، أما النساء فيجب عليهن التقصير مطلقاً.

وفي كتاب (الدَّيْن والحج على المذاهب الأربعة) لكرارة إن المالكية والشافعية قالوا: إن المعتمر بعمرة مفردة يحل له كل شي‏ء، حتى النساء. إذا حلق أو قصر، سواء أساق الهدي أو لا. أما الحنابلة والحنفية فإن المعتمر يحل بالحلق أو التقصير إذا لم يسق الهدي، وإلا بقي على إحرامه إلى أن يتحلل من الحج والعمرة معاً يوم النحر.

شروطها:

ذكرنا فيما تقدم شروط الحج، وهي بالذات شروط العمرة.

حكمها:

قال الحنفية والمالكية: العمرة سنَّة مؤكدة، وليست فرضاً.

وقال الشافعية والحنابلة وكثير من الإمامية: بل هي فرض على من استطاع إليها سبيلاً لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (البقرة: 196). وتقع مستحبة لغير المستطيع. (فقه السنة، ج‏5، والفقه على المذاهب الأربعة، والجواهر والمغني).

وعند الإمامية: إن العمرة المفردة واجبة على ما كان فرض القرآن أو الإفراد أي من كان دون مسافة 16 فرسخاً عن مكة، نعم هي مستحبة لمن بعد أكثر من ذلك (أي ما يقارب 90 كيلومتراً).

أفعالها:

جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة): يجب للعمرة ما يجب للحج، وكذلك يسن لها ما يسن له... ولكنها تخالفه في أمور منها أنه ليس لها وقت معين، ولا تفوت، وليس فيها وقوف بعرفة، ولا نزول بمزدلفة، ولا رمي جمار.

وجاء في كتاب الجواهر للإمامية: «الواجب من أفعال الحج 12: الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر، ونزول منى، والرمي، والذبح، والحلق بها، والتقصير، والطواف، وركعتاه، والسعي، وطواف النساء، وركعتاه... وواجب أفعال العمرة المفردة ثمانية: النية، والإحرام والطواف وركعتاه، والسعي والتقصير، وطواف النساء وركعتاه».

ومن هذا يتبين معنا اتفاق الجميع على أن أعمال الحج تزيد عن العمرة بالوقوف، وما يستدعيه من الأعمال، إلا أن الإمامية أوجبوا على المعتمر بعمرة مفردة أن يطوف ثانية طواف النساء، كما أن مالكاً خالف الجميع بقوله لا يجب الحلق أو التقصير في العمرة المفردة.

 فرعان:

الفرع الأول: إن وجوب العمرة المفردة لا يرتبط بالاستطاعة للحج، فلو استطاع لها خاصة، كما لو فرض أن شخصاً تمكن من الذهاب إلى مكة في غير أيام الحج، ولا يستطيع الذهاب إليها في أيامه وجبت عليه العمرة دون الحج، وإن مات قبل أدائها خرجت من تركته.

وكذا لو فرض أنه استطاع الحج الافرادي دون العمرة وجب، لأن كلاَّ منهما نسك مستقل برأسه، هذا بالقياس إلى العمرة المفردة، أما عمرة التمتع  يأتي بمعنى التمتع  فيتوقف وجوبها على وجوب الحج، لأنها داخلة فيه.

الفرع الثاني: قال الإمامية: لا يجوز لمن أراد دخول مكة أن يتجاوز الميقات ولا دخول حرمها إلا محرماً بنسك، حتى ولو كان قد حج واعتمر مرات إلا إذا تكرر الدخول والخروج في ضمن شهر، أي لو دخلها محرماً، ثم خرج، ثم دخل ثانية قبل مضي ثلاثين يوماً فلا يجب عليه الإحرام، وإلا وجب، فالإحرام بالقياس إلى من دخل مكة تماماً كالوضوء بالقياس إلى مس كتابة المصحف.

وبهذا يتبين الكذب والدس في قول من قال: إن الشيعة لا يقدسون البيت الحرام، ويتظاهرون بالحج، ليلوثوا الأماكن المقدسة.. تعالى الله والمعظمون لشعائره الموالون للرسول وآله علواً كبيراً.

وقال أبو حنفية: لا يجوز لمن وراء الميقات أن يدخل الحرم إلا محرماً، وأما من دونه فيجوز دخوله من غير إحرام، وكان مالك لا يرى ذلك، للشافعي قولان.


 

 

أنواع الحج‏

 اتفقوا على أن أنواع الحج ثلاثة: تمتع، وقران، وإفراد. وأيضاً اتفقوا على أن معنى التمتع أن يأتي أولاً بأعمال العمرة في أشهر الحج، وبعد الفراغ منها يأتي بالحج.

واتفقوا على أن حج الإفراد أن يحج أولاً، وبعد الفراغ من أعمال الحج يحرم بالعمرة، ويأتي بأعمالها.

وأتفق الأربعة على أن معنى القران أن يحرم بالحج والعمرة معاً، بحيث يقول الناسك: «لبيك اللهم بحج وعمرة».

وقال الإمامية: إن القران والإفراد شيء واحد، لا يفترقان إلا في حال واحدة، وهي أن القارن يسوق الهدي عند إحرامه، فيلزمه أن يهتدي ما ساقه، أما من حج حجة الإفراد فليس عليه هدي أصلاً. وبكلمة: إن الإمامية لا يجيزون التداخل بين إحرامين، ولا إتيان الحج والعمرة بنية واحدة في حال من الحالات، وأجازه غيرهم في حجة القران، وقالوا: إنه سمي بذلك، لما فيه من الجمع بين الحج والعمرة، وقال الإمامية: بل لأنه أضيف سياق الهدي إلى الإحرام.

وقال الأربعة: يجوز لأي كان مكياً أو غير مكي، أن يختار أي نوع شاء من أنواع الحج الثلاثة: التمتع والقران والإفراد، دون كراهة، إلا أن أبا حنفية قال: يكره للمكي حج التمتع والقران.

ثم اختلف الأربعة فيما بينهم في الأفضل من هذه الثلاثة.

قال الشافعية: الإفراد والتمتع أفضل من القران.

وقال الحنفية: القران أفضل من أخويه.

وقال المالكية: بل الإفراد أفضل.

وقال الحنابلة والإمامية: التمتع أفضل. (الفقه على المذاهب الأربعة، والمغني، وميزان الشعراني، وفقه السنة ج5).

وقال الإمامية: إن التمتع فرض من نأى عن مكة 48 ميلاً لا يجوز له غيره إلا مع الضرورة، أما القران والإفراد فهما فرض أهل مكة، ومن كان بينه وبينها دون 48 ميلاً، ولا يجوز لهما غير هذين النوعين، واستدلوا بقوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) (البقرة: 196).

وقال الإمامية أيضاً: لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل إلى غيره، إلا لضيق وقت أو لحيض عند المرأة، فيجوز العدول عندها إلى القران أو الإفراد، على أن يأتي بالعمرة بعد الحج، وحد الضيق أن لا يتمكن من الوقوف في عرفة عند الزوال.

ولا يجوز العدول لمن فرضه القران أو الإفراد كأهل مكة وضواحيها أن يعدل إلى التمتع إلا مع الاضطرار، كخوف المرأة من الحيض المتوقع، وبعد أن نقل هذا صاحب الجواهر، قال: بلا خلاف أجده.

واتفقوا جميعاً على أن من حج حجة الإفراد لا يلزمه هدي، وإن تطوع به فخير. 


 

مواقيت الإحرام‏

المواقيت:

لا بد للعمرة والحج بشتى أنواعه من الإحرام، وهو ركن من أركانهما عند الإمامية وواجب عند غيرهم. واتفقوا قولاً على أن ميقات أهل المدينة الذي يبدأون إحرامهم منه مسجد الشجرة، ويسمى ذو الحليفة، وميقات أهل الشام ومصر والمغرب الجحفة(11) ، وميقات أهل العراق العقيق، ولأهل اليمن ومن عبر على طريقهم يلملم.

وقال الإمامية: قرن المنازل ميقات أهل الطائف، ومن عبر على طريقهم إلى مكة.

وقال الأربعة: بل هو ميقات أهل نجد، وقال الإمامية: ميقات أهل نجد وميقات أهل العراق هو العقيق.

وكما اتفقوا على أن هذه المواقيت لأهل الجهات المذكورة، فقد اتفقوا أيضاً على أنها مواقيت لكل من يمر بها ممن يريد الحج، وإن لم يكن من أهل تلك الجهات، فإذا حج الشامي من المدينة فجاز على ذي الحليفة أحرم منه، وإن حج من اليمن فميقاته يلملم، ومن العراق فالعقيق، وهكذا، ومن لم يمر بهذه المواقيت فميقاته المكان الذي يحاذي أحدها.

ومن كان منزله أقرب إلى مكة من هذه المواقيت فميقاته منزله، يُحرِم منه، ومن كان في مكة نفسها فميقاته مكة بالذات، ومواقيت المعتمر بعمرة مفردة عند الإمامية هي مواقيت الحج بالذات.

الإحرام قبل الميقات:

اتفق الأربعة على جواز الإحرام قبل الميقات، واختلفوا في الأفضل، فقال مالك وأبن حنبل: الأفضل الإحرام من الميقات.

وقال أبو حنفية: الأفضل الإحرام من بلده. وعن الشافعي الاثنان.

 وقال الإمامية: لا يجوز الإحرام قبل الميقات إلا لمن يريد العمرة في رجب، وخاف أن ينقضي إذا أخر الإحرام إلى الميقات، وإلا لمن نذر الإحرام قبل الميقات(12). (التذكرة وفقه السنة).

الإحرام بعد الميقات:

اتفقوا على أنه لا يجوز تجاوز الميقات بدون إحرام، وإن تجاوزه ولم يحرم وجب الرجوع إليه، ليحرم منه.

وقال الأربعة: إذا لم يرجع يصح حجه، وعليه الهدي، ويأثم إن لم يمنع مانع من الرجوع، وإن وجد المانع لخوف الطريق، أو لضيق الوقت فلا إثم، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أمامه مواقيت أخرى في طريقه أو لا.

وقال الإمامية: من ترك الإحرام من الميقات عامداً، وهو يريد الحج أو العمرة، ولم يرجع إليه، ولم يكن أمامه ميقات غيره يُحرم منه، بطل إحرامه وحجه، سواء أكان معذوراً أو غير معذور.

وإذا كان قد تركه ناسياً أو جاهلاً، وأمكن الرجوع رجع، وإن لا يمكن فمن الميقات الذي أمامه، وإلا فالقدر الممكن من خارج الحرم، أو داخله مقدماً على الثاني. (التذكرة والفقه على المذاهب الأربعة).

الإحرام قبل أشهر الحج:

قال الإمامية والشافعية: لو أحرم بالحج قبل أشهره لم ينعقد إحرامه، وينعقد للعمرة، لقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ).

وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: يصح على كراهة. (التذكرة وفقه السنة).


  

الإحرام‏

واجباته ومستحباته‏

 الإحرام ومستحباته:

لا خلاف في أن الإحرام ركن من أركان العمرة، وأيضاً هو ركن من حج التمتع والإفراد والقران، وأيضاً لا خلاف في أنه أول عمل يجب أن يبتدئ به الناسك، سواء أكان معتمراً بعمرة مفردة، أم حاجاً بحج التمتع، أم قران أم إفراد، وله مستحبات وواجبات.

اتفقوا على انه يستحب لمن يريد الإحرام أن ينظف جسده، ويقلم أظفاره ويأخذ من شاربه، وأن يغتسل حتى لو كانت امرأة في الحيض والنفاس، لأن الغرض النظافة، وأن يوفر شعر رأسه من أول ذي القعدة إذا أراد حج التمتع، وأن يزيل الشعر من جسده وإبطيه، وأن يحرم بعد صلاة الظهر، أو أية فريضة غيرها، وإن استحب أن يصلي للإحرام ست ركعات، أو أربعاً، أو ركعتين على الأقل. أما الطهارة من الحدث فليست شرطاً في صحة الإحرام.

وقال الحنفية والمالكية: إذا فقد الماء سقط الغسل، ولم يشرع التيمم بدلاً عنه.

وقال الحنابلة والشافعية: بل يتيمم بدلاً عن الغسل.

واختلف الإمامية فيما بينهم، فمانع ومجيز.

والحق المنع، كما قال الحنفية والمالكية، لأن هذا التيمم من العبادات، وهي لا تشرع إلا بدليل، ولا دليل.

وقال الإمامية: يستحب توفير شعر الرأس.

وقال الشافعية والحنفية والحنابلة: بل يستحب حلقه (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنفية: يسن لمن يريد الإحرام التطيب في البدن والثوب بطيب لا يبقى عينه بعد الإحرام، وإن بقيت رائحته.

وقال الشافعية: يسن تطييب البدن بعد الغسل إلا للصائم، ولا يضر تعطير الثوب.

وقال الحنابلة: يطيب بدنه، ويكره تطييب الثوب (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الشافعية والحنفية والمالكية: يستحب للمُحرم أن يصلي ركعتين قبل الإحرام (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الإمامية: الأولى أن يكون الإحرام عقب صلاة الظهر، أو فريضة غيرها، وإن لم تكن عليه فريضة وقت الإحرام صلى للإحرام ست ركعات، أو أربعاً، أو ركعتين (الجواهر).

الاشتراط:

قال في التذكرة: يستحب لمن أراد الإحرام أن يشترط على ربه عند عقد الإحرام كأن يقول المُحرم «اللهم إني أريد ما أمرتني به، فإن منعني مانع عن تمامه وحبسني عنه حابس فاجعلني في حل».

وباستحباب ذلك قال الشافعي وأبو حنفية وأحمد إلا هذا الاشتراط لا يفيد سقوط فرض الحج إن وجد المانع عن الإتمام.

واجبات الإحرام:

واجبات الإحرام ثلاثة: النية، التلبية، ولبس ثوب الإحرام على خلاف بين المذاهب في بعضها.

النية:

لا مجال للكلام في النية، فلا عمل إرادي بلا نية بمعنى الباعث على العمل فهي في الحقيقة من الضروريات، لذا قال بعض العلماء لو كلفنا بعمل بلا نية لكان تكليفاً بغير المقدور، إذن ينبغي صرف الكلام إلى أن الناسك: هل يصير محرماً بمجرد نية الإحرام، أو لا بد من إضافة شيء آخر معها؟! هذا، مع العلم بأنه لو أحرم ذاهلاً، أو عابثاً بدون نية يكون إحرامه باطلاً.

قال الحنفية: «لا يصير شارعاً في الإحرام بمجرد النية ما لم يأتِ بالتلبية» (فتح القدير).

وقال الشافعية والإمامية والحنابلة: ينعقد الإحرام بمجرد النية. (الجواهر وفقه السنة).

وقال الإمامية: يجب أن تكون النية مقارنة للشروع بالإحرام، ولا يكفي حصولها في أثنائه، وإن يعين جهة الإحرام من أنه لحج أو عمرة، وإن الحج تمتع، أو قران، أو إفراد، وإنه عن نفسه، أو نيابة عن غيره، وإنه حجة إسلام، أو غيرها، ولو نوى من غير تعيين، وأوكله إلى ما بعد ذلك بطل. (العروة الوثقى).

وجاء في كتاب «المغني» - للحنابلة - ما خلاصته: «يستحب أن يعين ما أحرم به»، وبهذا قال مالك، وقال الشافعي في أحد قوليه: الإطلاق أولى... فإن أطلق الإحرام، فنوى الإحرام بنسك، ولم يعين حجاً، ولا عمرة صح وصار محرماً... وله بعد ذلك صرفه إلى أي الانساك شاء.

واتفقوا على أنه لو نوى بإحرامه ما أحرم به فلان صح إذا كانت نية المذكورة معينة (الجواهر والمغني).

التلبية:

اتفقوا على أن التلبية مشروعة في الإحرام، واختلفوا في حكمها من حيث الوجوب والندب وفي وقتها.

قال الشافعية والحنابلة: أنها سنة ويستحب اتصالها بالإحرام، ولو نوى الإحرام بدون تلبية صح.

وقال الإمامية والحنفية(13) والمالكية: التلبية واجبة، ثم اختلفوا في التفاصيل.

فقال الحنفية: إن التلبية، أو ما يقوم مقامها كالتسبيح وسوق الهدي، شرط من شروط الإحرام.

وقال المالكية: لا يبطل الإحرام بالفاصل الطويل بين التلبية وبين الإحرام، ولا بتركها كلية، وإنما يلزم التارك دم، أي يضحي.

وقال الإمامية: لا ينعقد إحرام حج التمتع، ولا حج الإفراد ولا عمرتهما والعمرة المفردة إلا بالتلبية، ولا بد من تكرارها أربع مرات، أما من يريد حج القران فيتخير بين التلبية وبين الأشعار أو التقليد(14)، والأشعار عندهم مختص بالبدن، والتقليد مشترك بينها وبين غيرها من أنواع الهدي.

صيغة التلبية:

وصيغة التلبية «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك» والواجب عند الإمامية هو خصوص التلبيات الأربع الأُوَل.

ولا يشترط في التلبية الطهارة بالإجماع. (التذكرة).

أما وقتها فيبدأ بها المحرم من وقت الإحرام، ويستحب الاستمرار بها إلى رمي جمرة العقبة بالاتفاق، ويستحب الجهر بها لغير المرأة إلا في مسجد الجماعات، بخاصة مسجد عرفة.

وقال الإمامية: يجب أن يقطعها في عمرة التمتع إذا شاهد بيوت مكة ولو المستحدثة عند الإمام الخامنائي، أما المرأة فتُسمع نفسها ومن يليها، ويستحب أيضاً الصلاة على النبي واله. (التذكرة وفقه السنة).

لباس المحرم:

اتفقوا على أن الرجل المُحرم لا يجوز له أن يلبس مخيطاً، ولا ثوباً يزرره، ولا قميصاً ولا سراويل، ولا أن يغطي رأسه ووجهه، وقال الشافعي وأحمد والإمامية: يجوز له أن يغطي وجهه، ولا يجوز له أن يلبس الخفين إلا إذا لم يجد نعلاً فيلبس خفين بعد أن يقطع أسفل الكعبين.

عند الإمامية: وجوب اجتناب لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم من قبيل الحذاء والخف وأمثالهما.

أما المرأة فتغطي رأسها، وتكشف وجهها إلا مع خوف نظر الرجال إليها بريبة.. لا يجوز لها أن تلبس القفاز - ولها أن تلبس الحرير والخفين، وقال أبو حنيفة: يجوز لها لبس القفاز. (التذكرة والبداية والنهاية لأبن رشد).

وقالت الإمامية: لا يجوز للمرأة لبس الحرير حال الإحرام مطلقاً على الأحوط.

وجاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) بعنوان: «ما يطلب من مريد الإحرام قبل أن يشرع فيه».

قال الحنفية: ومن ذلك لبس إزار ورداء. والإزار هو ما يستر به من سرته إلى ركبته، والرداء هو ما يكون على الظهر والصدر والكتفين، وهو مستحب.

وقال المالكية: يندب أن يلبس إزاراً ورداء ونعلين، ولو لبس غير الرداء والإزار مما ليس مخيطاً، ولا محيطاً فلا يضر، والمحيط هو الثوب الذي يحيط بالعضو.

وقال الحنابلة: يسن له قبل إحرامه لبس إزار ورداء أبيضين نظيفين جديدين ونعلين.

وقال الشافعية: ومن ذلك أن يلبس إزاراً ورداء أبيضين جديدين وإلا فمغسولين.

وقال الإمامية: إن الإزار والرداء واجبان، وأنه يستحب أن يكونا من القطن الأبيض، ويجوز للمحرم أن يلبس أكثر من ثوبين على شريطة أن لا يكون مخيطاً، كما يجوز له أن يبدل ثياب الإحرام، ولكن الأفضل عندهم أن يطوف بالثوبين اللذين أحرم بهما.

واشترطوا في لباس المحرم كل ما اشترطوه في لباس المصلي من الطهارة، وعدم كونه حريراً للرجال والنساء أو جلداً من غير مأكول اللحم، وقال جماعة: لا يجوز أن يكون من نوع الجلد إطلاقاً.

ومهما يكن فإن الخلاف في لبس المحرم بسيط جداً، ويكفي للتدليل على ذلك أن كل ما هو مجز عند الإمامية مجزِ أيضاً عند الأربعة.


 

محظورات الإحرام‏

نهى الشرع المُحرم عن أشياء نذكر أكثرها في ما يلي:

الزواج:

قال الإمامية والشافعية والمالكية والحنابلة لا يجوز للمحرم أن يعقد الزواج لنفسه، ولا لغيره ولا أن يوكل فيه، ولو فعل لم ينعقد، وقال الإمامية وكذا لا يجوز له أن يشهد عليه.

وقال أبو حنيفة: بل يجوز عقد الزواج ويقع صحيحاً.

وقال الحنفية والمالكية والشافعية والإمامية: يجوز للمحرم مراجعة زوجته المطلقة في عدتها.

وقال الحنابلة: لا يجوز.

وقال الإمامية: إذا أجرى المحرم عقد الزواج، وهو عالم بالتحريم حرمت عليه المرأة أبداً بمجرد العقد، وإن لم يدخل، أما إذا كان جاهلاً بالتحريم فلا تحرم عليه، وإن دخل. (الجواهر، وفقه السنة، والفقه على المذاهب الأربعة).

الجماع:

اتفقوا على أنه لا يجوز للمحرم أن يجامع زوجته، أو يستمتع بها بشتى أنواع الاستمتاع، وإذا جامع قبل التحليل(15) فسد حجه، ولكن عليه المضي في حجه وإتمامه، ثم القضاء في العام القادم على أن يفرق بين الزوجين في حج القضاء(16) وجوباً عند الإمامية والمالكية والحنابلة، وندباً عند الشافعية والحنفية. (الحدائق وفقه السنة).

وقال الإمامية والمالكية والشافعية والحنابلة: تلزمه بدنة بالإضافة إلى فساد حجه.

وقال الحنفية: بل شاة.

واتفقوا على أنه إذا جامع بعد التحليل الأول فلا يفسد حجه، ولا قضاء عليه، ولكن عليه بدنة عند الإمامية والحنفية والشافعي في أحد قوليه، أما مالك فقال: تلزمه شاة، (الحدائق وفقه السنة).

 وإذا كانت المرأة مطاوعة فسد حجها، وعليها أن تكفِّر ببدنة، وأن تقضي في العام القادم... وإذا كانت مكرهة لم يكن عليها شي‏ء، وعلى الزوج أن يكفر ببدنتين، إحداهما عنه، والثانية عنها. وإذا كانت محلة، وهو محرم فلا يتعلق بها شي‏ء، ولا يجب عليها كفارة، ولا على الرجل بسببها. (التذكرة).

وإذا قبّل زوجته، ولم ينزل فلا يفسد حجه بالاتفاق، وقال الأربعة: عليه دم، أي يكفر ولو بشاة. وقال صاحب التذكرة - من الإمامية - إن قبلها بشهوة فجزور، وإلا بشاة.

أما إذا أنزل فقال المالكية: يفسد حجه، وأجمع البقية على صحة حجه، وتجب عليه كفارة، وهي بدنة عند الحنابلة وجماعة من الإمامية. وشاة عند الشافعية والحنفية.

وإذا نظر إلى أجنبية فأمنى لم يفسد حجه، وعليه بدنة عند الإمامية والشافعي وأبي حنيفة وأحمد، لأنه إنزال من دون مباشرة، ولكن الإمامية قالوا: عليه بدنة إن كان موسراً، وإن كان متوسطاً فبقرة، وإن كان معسراً فشاة، وقال مالك: إن ردد النظر، حتى أجنب فسد حجه وعليه القضاء، وقال صاحب التذكرة، عليه أن يكفِّر ببدنة. 

الطيب:

اتفقوا على أن كل محرم، رجلاً كان أو امرأة، يحرم عليه الطيب شماً وتطيباً وأكلاً... وإن المحرم إذا مات لا يجوز غسله، ولا تحنيطه بالكافور، ولا بغيره من أنواع الطيب، وإذا تطيب المحرم ناسياً أو جاهلاً قال الإمامية والشافعية: لا كفارة عليه، وقال الحنفية والمالكية: عليه فدية. وعن أحمد روايتان.

وإذا اضطر إلى استعمال الطيب لمرض جاز له ذلك، ولا فدية عليه.

وقال الإمامية: لو استعمل الطيب عامداً كان عليه شاة، سواء استعمله صبغاً أو أكلاً ولا بأس بخلوق الكعبة، ولو كان فيه زعفران، وكذا الفواكه والرياحين. (الجواهر).

الاكتحال:

جاء في كتاب (التذكرة): أجمع علماؤنا - أي الإمامية - على أنه لا يجوز الاكتحال بالسواد، ولا بكحل فيه طيب، سواء أكان المحرم رجلاً، أم امرأة. ويجوز فيما عدا ذلك.

وعند الإمام الخامنائي عدم جواز الاكتحال بكل ما يُعدّ زينة بلا فرق بين اللون الأسود وغيره.

وجاء في كتاب المغني: الكحل بالأثمد مكروه ولا فدية فيه، لا أعلم في ذلك خلافاً، أما الكحل بغير الأثمد فلا كراهية فيه ما لم يكن فيه طيب.

الأظافر والشعر والشجر:

اتفقوا على عدم جواز قص الأظافر والشعر وحلقه، وسواء أكان على الرأس أم على البدن، وإن خالف فعليه كفارة(17).

أما قطع ما في الحرم من أشجار، ونبات فقد اتفقوا على عدم جواز قطع أو قلع ما أنبته الله دون توسط ادمي، حتى ولو كان شوكاً إلا نوعاً يسمى الأذخر.

واختلفوا فيما نبت بتوسط ادمي، فقال الشافعي: لا فرق في عدم الجواز بين النوعين، وتجب الفدية في الجميع، وفي الشجرة العظيمة يفدى ببقرة، وفيما دونها شاة.

وقال مالك: يأثم بالقطع ولا شيء عليه سواء أكان المقطوع مما أنبته الله، أو بتوسط الآدمي.

وقال الإمامية والحنفية والحنابلة: يجوز قطع ما أنبته الآدمي، ولا شي‏ء فيه، أما ما أنبته الله ففيه كفارة، وهي عند الإمامية بقرة في قطع الشجرة الكبيرة وفي الصغيرة شاة. وقال الحنفية يؤخذ بقيمته هدي. (فقه السنة، واللمعة للإمامية).

واتفقوا على أنه ليس في قطع اليابس شي‏ء شجراً كان أو حشيشاً.

النظر في المرآة:

لا يجوز للمحرم أن ينظر في المرآة، وإذا فعل فلا فدية عليه بالاتفاق، ولا مانع من النظر في الماء.

الحناء:

قال الحنابلة: يجوز للمحرم الاختضاب بالحناء، ذكراً أو أنثى، في أي جزء من بدنه، ما عدا الرأس.

وقال الشافعية: يجوز ذلك، ما عدا اليدين والرجلين.

وقال الحنفية: لا يجوز الاختضاب للمحرم بحال رجلاً كان أم امرأة (فقه السنة).

والمشهور عند الإمامية إن الخضاب مكروه، وليس بمحرَّم (اللمعة).

وعند الإمام الخامنائي: الأحوط وجوباً اجتناب المحرم عن استعمال الحنّاء وصبغ الشعر، إذا عُدَّ من الزينة، بل عن كل ما يّعد زينة.

الاستظلال وتغطية الرأس:

اتفقوا على أن المحرم لا يجوز له أن يغطي رأسه اختياراً، وقال المالكية والإمامية: وأيضاً لا يجوز له أن يرتمس في الماء، بحيث يعلو فوق رأسه. ويجوز أن يغسل رأسه، ويفيض عليه الماء بالاتفاق إلا المالكية فإنهم قالوا: لا يجوز للمحرم إزالة الوسخ بالغسل إلا اليدين.

ولو غطى رأسه ناسياً قال الإمامية والشافعية: لا شيء عليه. وقال الحنفية: عليه الفدية.

واتفقوا  ما عدا الشافعية  على أن الرجل المحرم يحرم عليه أن يستظل في حال السير، فلا يجوز له ركوب سيارة أو طائرة، وما إليهما إن كان لها سقف، أما إذا كان ماشياً فيجوز له أن يمر تحت الظل عابراً(18).

ولو اضطر إلى الاستظلال، وهو مسافر لمرض أو حر أو برد جاز، وعليه كفارة عند الإمامية.

واتفقوا على أن للمحرم أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخيمة، وما إلى ذلك في حال الاستقرار وعدم السير.

وقال الإمامية: يجوز للمرأة أن تستظل، وهي سائرة (التذكرة). 

لبس المخيط والخاتم:

اتفقوا على أن الرجل المحرم ممنوع من لبس المخيط، والمخيط أيضاً كالعمامة والطربوش ونحوه، وأجازوا للمرأة إلا القفاز وثوباً مسه طيب.

وقال الإمامية: لو لبس المخيط ناسياً أو جاهلاً فلا شي‏ء عليه، ومن لبسه عن قصد ليتقي الحر أو البرد فعليه شاة، وأيضاً قالوا: لا يجوز لبس الخاتم للزينة، ويجوز لغيرها، كما أنه لا يجوز للمرأة لبس الحلي للزينة.

الفسوق والجدال:

قال تعالى في الآية 197 من سورة البقرة: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ).

ومعنى الرفث الجماع، وتقدم الحديث عنه، ومعنى الفسوق الكذب، وقيل السباب، وقيل: المعاصي، ومهما يكن فهو مُحرَّم على الحاج وغير الحاج، ولكنه يتأكد في حقه أكثر من سواه، ومعنى الجدال المجادلة، وروى الإمامية عن الإمام الصادق (ع): أنه قول الرجل لغيره - لا والله، وبلى والله، كذا، وهذا أدنى مراتب الجدال.

وقال الإمامية: إذا كذب مرة فعليه شاة، ومرتين فبقرة، وثلاثة فبدنة، وإذا حلف صادقاً فلا شي‏ء عليه إلا إذا تكرر الحلف ثلاث مرات فعليه شاة.

الحجامة:

اتفقوا على جواز الحجامة للضرورة،  وأجازها الأربعة لغير ضرورة إذا لم تستدعِ إزالة الشعر.

واختلف فقهاء الإمامية فيما بينهم فمنهم من أجازها، ومنهم من منعها (التذكرة والفقه على المذاهب الأربعة).

فعند الإمام الخامنائي: الأحوط وجوباً أن لا يقوم المحرم بعمل يوجب خروج الدم من بدنه ولو مثل قلع الضرس إلا في حال الحاجة والضرورة.

القمل:

جاء في كتاب (اللمعة) للإمامية: لا يجوز للمحرم قتل هوام الجسد، كالقمل والقراد، ويجوز نقله. وقال السيد الحكيم في المنسك: يجوز قتل البق والبرغوث، ليدفعه عن نفسه، أما نحن فلا نشك أبداً في جواز قتل كل مؤذٍ وإن توقف على القتل جاز.

جاء في كتاب (المغني) ولا يتفلى المحرم لأن التفلي عبارة عن إزالة القمل، وهو ممنوع منه... فإن خالف وتفلى وقتل قملاً فلا فدية فيه - أي عند الحنابلة.

وقال الحنفية: يطعم شيئاً. وقال مالك: حفنة من طعام.

الصَّيد:

اتفقوا قولاً واحداً على تحريم التعرض لصيد البر بالقتل أو الذبح، أو الدلالة عليه، أو الإشارة إليه، ولذا يحرم التعرض لبيضه وأفراخه، أما صيد البحر فجائز، ولا فدية فيه لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً) (المائدة: 99).

وتحريم الصيد في الحرم يشمل المُحل والمحرم على السواء، أما خارج الحرم فيجوز للمحل دون المحرم. ولو ذبح المحرم الصيد يصير ميتة، ويحرم أكله على جميع الناس.

واتفقوا على أن للمحرم أن يقتل الحدأة  نوع من الطير  والغراب والفأرة والعقرب، وزاد جماعة الكلب العقور وكل مؤذٍ.

وقال الشافعية والإمامية: الصيد البري إن كان له مثل أهلي في الشكل والصورة، كالبقر الوحشي تخير القاتل بين أن يخرج مثله من النعم، فيذبحه ويتصدق به، وبين أن يقوّم المثل بدراهم يشتري بها طعاماً، ثم تصدق بالطعام على المساكين لكل مسكين مدان، (أي 1600 غرام) على وجه التقريب وبين أن يصوم عن كل مدين يوماً، وبهذا قال المالكية ألا أنهم قالوا: يقوّم نفس الصيد لا مثله.

وقال الحنفية: يضمن الصيد بالقيمة، سواء أكان له مثل، أم لم يكن، ومتى قومّه تخير القاتل بين أن يشتري بالثمن المماثل من النعم، ويخرجه،وبين أن يشتري طعاماً ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مد يوماً. (التذكرة وفقه السنة).

ويستند الجميع إلى الآية 95 من سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ).

ومعنى قوله تعالى: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ) أن يحكم اثنان من أهل العدالة بأن هذا الحيوان الأهلي هو مثل الحيوان الوحشي المقتول.

ومعنى قوله تعالى: (هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ) أنه إذا أتى مكة ذبح المماثل الأهلي، وتصدق به.

وجاء في كتاب (الشرائع) للإمامية: إن كل محرم أكل أو لبس ما لا يحل أكله أو لبسه فعليه شاة، إن فعل ذلك عامداً لا ناسياً أو جاهلاً.

واتفق الإمامية والشافعية على أن الكفارة تسقط عن الجاهل والناسي إلا في الصيد، فإن الكفارة تجب فيه، حتى ولو وقع سهواً. (الجواهر وفقه السنة).

حد الحرمين:

لا فرق في تحريم الصيد وقطع الشجر بين حرم مكة وحرم المدينة، وجاء في كتاب (فقه السنة) إن حد الحرم المكي نصبت عليه أعلام من جهات خمسة، وهي أحجار مرتفعة قدر متر منصوبة من جانبي كل طريق. فمن جهة الشمال مكان يدعى «التنعيم» وبينه وبين مكة 6 كيلومترات.

ومن الجنوب «اضاه» بينها وبين مكة 12 كيلومتراً.

ومن جهة الشرق «الجعرانة» وبينها وبين مكة 16 كيلومتراً.

ومن جهة الغرب «الشميسي» وبينه وبين مكة 15 كيلومتراً.

أما حد الحرم النبوي فقدره اثنا عشر ميلاً يمتد من عير إلى ثور، وعير جبل عند الميقات، وثور جبل عند أحد.

وقال العلامة الحلي الإمامي في التذكرة: إن حد الحرم المكي بريد في بريد - البريد 12 ميلاً - وحد حرم المدينة من عاير إلى عير(19).

وقد أطال فقهاء المذاهب الكلام في الصيد وكفاراته، وابتدأوا من صيد النعامة إلى صيد الجرادة، وفرعوا فروعاً، وافترضوا صوراً شتى... ونحن نكتفي بما ذكرناه لعدم الجدوى من التطويل والتمثيل، كما أننا تركنا بعض ما تعرضوا له من التروك، كحمل السلاح للدفاع عن النفس وما إليه مما لم يبق مجال للحديث عنه، لانتفاء الموضوع أو لندرة الوقوع.


 

الطواف‏

قال الله تعالى: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)  (سورة الحج: 22 - 29).

الطواف ركن من أركان العمرة، وكذا طواف الإفاضة فإنه ركن التمتع الإفراد والقران. وقدمنا أن الإحرام هو أول عمل يجب أن يبتدئ به الناسك سواء أكان معتمراً بعمرة مفردة، أو حاجاً بحج تمتع أو إفراد أو قران.

بين الحاج والمعتمر:

بقي أن نعرف: ما هو العمل الثاني الذي يعقب الإحرام مباشرة؟ هل هو الطواف، أو الوقوف، أو غيره؟

الجواب:

يختلف ذلك باختلاف صفة الناسك وقصده من الإحرام، فإن كان قد أحرم للعمرة فعليه أن يثني بالطواف لا بغيره، سواء أكان مريداً العمرة المفردة، أم عمرة التمتع، فالطواف بالقياس إلى المعتمر هو العمل الثاني بالاتفاق.

أما إذا أراد بإحرامه الحج فقط، كمن قصد حج الإفراد، أو حج التمتع بعد أن أنهى أعمال العمرة فإنه يثني بعد الإحرام بالوقوف في عرفات - يأتي التفصيل.

وبتعبير ثانٍ: إن من دخل مكة معتمراً فقط،أو حاجاً حج التمتع ابتدأ أولاً، وقبل كل شي‏ء بالطواف، ثم السعي، ثم التقصير، وبعد ذلك ينشى‏ء إحراماً جديداً - إن كان متمتعاً - أما غيره فلا يجب عليه الطواف مباشرة بعد الإحرام، بل يؤخره إلى ما بعد الوقوف والنزول من منى  يأتي التفصيل.

أقسام الطواف عند السنة:

قسم أئمة المذاهب الأربعة الطواف إلى ثلاثة أقسام:

1- طواف القدوم: يفعله الآفاقي - غير المكي ومن في ضواحيها - حين يدخل مكة، فهو أشبه بركعتي التحية للمسجد، ومن هنا سمي طواف التحية.

وقد اتفقوا على أنه مستحب لا شي‏ء على تاركه إلا المالكية فإنهم قالوا: على تاركه دم.

2- طواف الزيارة: ويسمى طواف الإفاضة أيضاً، وهذا الطواف يأتي به الحاج بعد أن يقضي مناسكه بمنى من رمي جمرة العقبة والذبح والحلق أو التقصير، فإنه يرجع إلى مكة ويطوف، وسمي هذا الطواف طواف الزيارة، لأنه ترك منى، وزار البيت من أجله. وسمي الإفاضة، لأنه أفاض  أي رجع  من منى إلى مكة. ويسمى أيضاً طواف الحج لأنه ركن من أركانه بالاتفاق.

وبإتمام هذا الطواف يحل كل شيء كان محرماً على الحاج، حتى النساء - عند غير الإمامية - أما الإمامية فإنهم قالوا: لا تحل له النساء، حتى يسعى بعده بين الصفا والمروة، ويطوف طوافاً ثانياً، ومن هنا سموه طواف النساء ويتضح أكثر عما قريب.

3- طواف الوداع: وهو آخر ما يفعله الحاج عند إرادة السفر من مكة.

وقال الحنفية والحنابلة بوجوبه، ولكن إذا تركه الحاج يلزمه دم فقط، أي يضحي.

وقال المالكية: هو مستحب، ولا شي‏ء على من يتركه، وللشافعي قولان، (المغني، والفقه على المذاهب الأربعة، وفقه السنة).

أقسام الطواف عند الشيعة:

الشيعة يوافقون السنة على أن هذه الأطوفة الثلاثة مشروعة، وإن الثاني وهو طواف الزيارة ركن من أركان الحج، ويبطل بتركه(20)، وإن الأول، وهو طواف القدوم مستحب يجوز تركه، أما الطواف الثالث، وهو طواف الوداع فيوافقون فيه المالكية في أنه مستحب لا يجب بتركه شي‏ء.

ولكنهم زادوا طوافاً آخر على الثلاثة، وهو طواف النساء، وقالوا بوجوبه وعدم جواز تركه في العمرة المفردة، وفي الحج بشتى أنواعه، تمتعاً كان أو قراناً أو إفراداً، ولم يجيزوا تركه إلا في عمرة التمتع اكتفاء بطواف النساء الذي يشتمل عليه حج التمتع.

وبكلمة أن السنة قالوا: ليس بعد طواف الحج طواف واجب، وإن النساء تحل به، وقال الشيعة:

بل يجب على الناسك بعد أن يطوف طواف الحج أن يسعى، ثم يطوف ثانية، وهذا الطواف الثاني هو بالذات طواف النساء.

وقالوا أيضاً: إذا ترك الناسك هذا الطواف حرمت عليه النساء، حتى العقد، إن كان رجلاً. وحرم عليها الرجال إن كانت امرأة إلى أن يفعله الحاج بنفسه، أو يستنيب من يطوف عنه، ولو مات قبل أن يؤديه أو يستنيب أداه عنه وليه بعد الموت. بل قالوا لو حج الصبي المميز ولم يأتِ بطواف النساء ولو سهواً أو جهلاً فلا تحل له النساء بعد البلوغ، ولا العقد عليهن، حتى يؤدي أو يستنيب.

وبالجملة إن الشيعة يوجبون على من يحج حج التمتع ثلاثة أطوفة: الأول للعمرة وهو ركن منها، والثاني للحج، وهو ركن منه، والثالث للنساء، وهو واجب، وليس بركن أشبه بالفاتحة بالنسبة إلى الصلاة. أما السنة فيوافقون الشيعة في جميع ذلك إلا في طواف النساء، فإنهم ينكرونه، أما المفرد والقارن فعلى كل منهما طوافان عند الشيعة(21).

عند دخول مكة:

اتفقوا على أنه يستحب لمن دخل مكة أن يغتسل، وأن يدخل من أعلاها، ومن باب بني شيبة، وأن يرفع يديه عند رؤية البيت، ويكبّر ويهلّل، ويدعو بالمأثور، أو بما تيسر، إلا مالكاً فإنه قال: لا يرفع يديه بالدعاء، بل يأتي إلى الحجر فيقبله إن استطاع وإلا لمسه، وإلا أشار إليه بيده ودعا.

وقال الإمامية: يستحب أن يدخلها حافياً، وأن يمضغ الأذخر - نبات يطيب الفم - وإلا نظف فمه، واجتهد بزوال رائحته.

الشروط: قال الشافعية والمالكية والحنابلة: يشترط في الطواف الطهارة من الحدث والخبث، فلا يصح من الجنب، ولا من الحائض والنفساء، ويشترط أيضاً ستر العورة، تماماً كما هي الحال في الصلاة.

وقال السيد سابق في الجزء الخامس من (فقه السنة) ص 154 طبعة سنة 1955 ما نصه بالحرف:

«يرى الحنفية إن الطهارة من الحدث ليست شرطاً، وإنما هي واجب يجبر بدم، فلو كان محدثاً حدثاً أصغر، وطاف صح طوافه، ولزمه شاة.

وإن طاف جنباً أو المرأة حائضاً(22) صح ولزمه بدنة، ويعيده ما دام بمكة».

وجاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة) ج‏1 - ص 535 - طبعة سنة 1939 ما نصه بالحرف:

«أما طهارة الثوب والبدن والمكان فسنة مؤكدة - عند الحنفية - حتى لو طاف، وعليه ثوب كله نجس فلا جزاء عليه».

وقال الإمامية: الطهارة من الحدث والخبث شرط في الطواف الواجب، وكذلك يشترط ستر العورة بثوب طاهر غير مغصوب. وأن لا يكون من غير مأكول اللحم، ولا من الحرير، ولا الذهب كما هي الحال في الصلاة، بل تشدد بعضهم في أمر الطواف أكثر من الصلاة، حيث قال بالعفو عن الدم إذا كان بمقدار الدرهم في الصلاة، وعدم العفو عنه في الطواف، وبعدم جواز لبس الحرير والذهب للنساء.

وقال أيضاً  الإمامية: يشترط في الطائف الختان، فلا يصح الطواف من الغلف رجلاً كان أم صبياً (الجواهر، والحدائق).

كيفية الطواف:

لا بد من تعيين النية للطواف بالذات عند الإمامية والحنابلة، وقال المالكية والشافعية والحنفية: تكفي نية الحج بوجه العموم، ولا يشترط نية الطواف بالخصوص. (الجواهر، وفقه السنة). وتقدم أن النية بمعنى الداعي والباعث لا تقبل النزاع والجدال، لأنها من الأمور القهرية.

وجاء في كتاب (بداية المجتهد) لابن رشد:

«والجمهور  أي فقهاء السنة  مجمعون على أن صفة كل طواف، واجباً كان أو غير واجب، أن يبتدئ من الحجر الأسود - وفي كتاب فقه السنة وينتهي به أيضاً - فإن استطاع أن يقبله قبلة، أو يلمسه بيده ويقبلها إن أمكنه فعل ذلك، ثم يجعل البيت على يساره، ويمضي على يمينه، فيطوف سبعة أشواط، يرمل(23) في الثلاثة أشواط الأولى، ثم يمشي في الأربعة، وذلك في طواف القدوم على مكة للحاج والمعتمر دون المتمتع - أي الرمل - وأنه لا رمل على النساء، ويستلم الركن اليماني».

وقال الإمامية: للطواف واجبات هي:

1- النية، وسبقت إليها الإشارة.

2- أن يطوف ماشياً، فإن عجز طاف راكباً، وقد أهمل هذا الشرط كثير من الإمامية، بل صرح جماعة منهم بجواز الركوب اختياراً، حيث جاء في كتاب الكافي، وكتاب من لا يحضره الفقيه، إن رسول الله (ص) طاف على راحلته.

3- أن يبدأ بالحجر الأسود، بحيث يكون أول جزء من بدنه بإزاء أول جزء من الحجر - حال الابتداء - ثم يأخذ بالحركة على اليسار، وأن يختم به، بحيث يحاذيه في آخر شوط كما ابتدأ أولاً، لتكمل الأشواط السبعة دون أن ينقص أو يزيد خطوة، فما دونها، وخوفاً من الزيادة أو النقصان. وإن بدأ من آخره لم يكن الابتداء من الحجر.. إلى آخر ما قيل حول هذا الشرط.

ولقد جاءت هذه العبارة، وما إليها في كثير من كتب الفقه... وعلق عليها صاحب الجواهر بكلام طويل دل على اعتدال في الفطرة، وسلامة في الذوق.

نقتطف من هذا التعليق الطويل ما يلي:

«لا يخفي حصول المشقة، وشدة الحرج والضيق بملاحظة ذلك.. بخاصة في هذه الأزمنة التي يكثر زحام الحجاج.. وإن اعتباره مثار للوسواس، كما أنه من المستهجنات القبيحة التي تشبه أحوال المجانين، وقد روي أن الرسول (ص) طاف على راحلته، ويتعذر هذا التدقيق وتحققه على الراكب».

والذي فهمناه من مجموع كلامه أنه يختار قول الشيخ صاحب الشرائع، وهو متن الجواهر، ولم يزد الشيخ حرفاً على هذه الجملة: «الواجب البدء بالحجر، والختم به».

ومعنى هذا كما يظهر من عبارة الجواهر الاكتفاء بتحقق الصدق عرفاً، وقول السيد الحكيم في المنسك يشعر بذلك، حيث جاء فيه:

«عليه - أي على الطائف - أن يبتدئ بقليل مما قبل الحجر ناوياً ما يجب عليه في الواقع، فإذا طاف كذلك فقد علم بأنه ابتدأ بالحجر، وختم به».

4- أن يجعل البيت على يساره، قال السيد الحكيم: يكفي في تحققه الصدق عرفاً، ولا يضر الانحراف اليسير ما دام الصدق العرفي متحققاً، وقال السيد الخوئي: الظاهر أن العبرة بالصدق العرفي.

5- أن يدخل حجر إسماعيل في الطواف، أي يطوف حوله دون أن يدخل فيه(24).

ويكون على يساره، فإذا طاف بينه وبين البيت، فجعله على يمينه بطل الطواف.

6- أن يكون بجميع بدنه خارجاً عن البيت، لأن الله سبحانه وتعالى قال: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) أي حوله لا فيه، (تقول مررت بزيد، ولا تقول مررت في زيد) فلو مشى على حائطه، أو القدر الباقي من أساس الجدار بعد عمارته بطل الطواف. المراد بالبيت العتيق الكعبة شرفها الله تعالى.

7- أن يكون طوافه بين البيت والصخرة التي هي مقام إبراهيم (عليه السلام)، أي الحجر الذي وقف عليه حين بنى البيت. عند المشهور ويجوز عند الإمام الخامنائي الطواف فيما وراء ذلك من المسجد الحرام لا سيما إذا منعه الزحام الشديد.

8- أن يتم سبعة أشواط بلا زيادة أو نقصان.

وبديهة أن تشخيص هذه الأماكن يحتاج إلى عارف خبير يحددها، ويدل عليها.

ومتى انتهى من طوافه وجب أن يصلي ركعتين خلف مقام إبراهيم، وإن كان زحام، وإن لم يمكن فحيال المقام، فإن لم يمكن فحيث أمكن من المسجد.

ولا يجوز أن يباشر بطواف ثانٍ إلا بعد صلاة الركعتين، ولو نسيهما وجب عليه الرجوع، والإتيان بهما، فإن تعذر عليه الرجوع قضاهما حيث كان، هذا إذا كان الطواف واجباً، وإن كان مستحباً يصليهما حيث شاء.

وبهذا يتبين أن فقهاء المذاهب جميعا متفقون على الابتداء من الحجر الأسود، والختم به، وجعل البيت على يسار الطائف، بحيث يقع خارج البيت وإن الأشواط سبعة وان استلام الحجر والركن مستحب.

وأنهم قد اختلفوا في الموالاة وعدم الفاصل بين الأشواط، فأوجبها المالكية والإمامية والحنابلة.

وقال الشافعية والحنفية: هي سنة، فلو فرق تفريقاً كثيراً بغير عذر لا يبطل، ويبني على طوافه. (فقه السنة).

وأيضاً قال أبو حنيفة: إذا أتى بأربعة أشواط، ثم ترك، فإن كان بمكة لزمه إتمام الطواف، وإن كان قد خرج منها جبرها بدم. (التذكرة).

واختلفوا أيضاً في وجوب المشي على الطائف، فأوجبه الحنفية والحنابلة والمالكية.

وقال الشافعية وجماعة من الإمامية: لا يجب، ويجوز الركوب اختياراً.

وأيضاً اختلفوا في صلاة ركعتين بعد الطواف، فقال المالكية والحنفية والإمامية بوجوبهما، وهما تماماً كصلاة الصبح. وذهب الشافعية والحنابلة إلى الاستحباب.

مستحبات الطواف:

جاء في كتاب (فقه السنة) بعنوان، (سنن الطواف):

للطواف سنن منها: استقبال الحجر الأسود عند بدء الطواف، مع التهليل والتكبير، ورفع اليدين، كرفعهما للصلاة واستلامه بهما بوضعهما عليه، وتقبيله بدون صوت، ووضع الخد عليه، إن أمكن، وإلا لمسه بيده.

ومنها الاضطباع للرجال(25)، ومنها الرمل، واستلام الركن اليماني.

وجاء في كتاب اللمعة الدمشقية – للإمامية-:

«من سنن الطواف الوقوف عند الحجر الأسود، والدعاء مستقبلاً رافعاً يديه، وقراءة سورة القدر، وذكر الله سبحانه، والسكينة في المشي، واستلام الحجر، وتقبيله مع الإمكان، والإشارة إليه، واستلام الأركان كلها كلما مر بها، وتقبيلها، واستلام المستجار في الشوط السابع، وهو بحذاء الباب ودون الركن اليماني، والتداني من البيت، ويكره الكلام أثناء الطواف بغير الذكر والقرآن.

وقال الإمامية أيضاً: يستحب أن يطوف 360 طوافاً، فإن لم يتمكن ف 36 شوطاً، ويلحق الزيادة بالشوط الأخير، وتسقط الكراهة هنا بهذا الاعتبار».

أحكام الطواف:

قال بعض الإمامية: إذا حاضت المرأة أثناء الطواف، فإن حدث ذلك بعد أربعة أشواط قطعت الطواف وسعت، فإذا فرغت من السعي أتمت الطواف بعد طهرها، ولا يجب عليها إعادة السعي، وإن حدث قبل إتمام الأربعة انتظرت عرفة، فإن طهرت وتمكنت من باقي الأفعال فعلت، وإلا صارت حجتها مفردة.

وقدمنا أن الحنفية يجيزون الطواف للحائض، ولا يشترطون فيه الطهارة.

وجاء في كتاب (فتح القدير) للحنفية: من ترك من طواف الزيارة ثلاثة أشواط فما دونها فعليه شاة، ومن ترك أربعة بقي محرماً أبداً، حتى يطوفها، لأن المتروك أكثر، فصار كأنه لم يطف أصلاً.

وقال الإمامية: إذا انتهى من الأشواط، ثم شك، هل أوقعها صحيحة على الوجه المطلوب شرعاً وبدون زيادة ونقصان، أو أنه زاد،أو نقص؟ فلا أثر لشكه، بل يبني على الصحة والتمام، ويمضي ولا شي‏ء عليه.

وإذا لم يكن الشك بعد الفراغ ينظر، فإن كان قد أحرز السبعة على كل حال، كما لو شك بين السبعة والثمانية، بنى على الصحة ومضى.

أما إذا لم يحرز ويتيقن أن السبعة متحققة، كما لو شك بين الستة والسبعة، أو الخمسة والستة فمادون يبطل الطواف من الأساس، وعليه أن يعيد، والأفضل أن يتم ثم يستأنف.

هذا في الطواف الواجب، أما في المستحب فإنه يبني على الأقل دائماً ويتم إن كان أحد طرفي الشك ما دون السبعة، بدون فرق بين أن يكون الشك في الأثناء، أو عند انتهاء الشوط الأخير.

أما غير الإمامية، فالقاعدة عندهم هي البناء على الأقل أخذاً بالقدر المتيقن كما هي الحال في الشك في عدد ركعات الصلاة.

هذا هو الطواف بواجباته ومستحباته وأحكامه، وهو نوع واحد، تماماً كالركوع والسجود واجباً كان أو مستحباً، جزءاً من عمرة مفردة، أو عمرة تمتع، أو حج قران أو إفراد،أو طواف زيارة، أو نساء، أو قدوم، أو وداع.

وأشرنا فيما سبق إلى أن الطواف يأتي مباشرة بعد الإحرام من أعمال العمرة مفردة كانت أو عمرة تمتع، أما في أعمال الحج فيأتي بعد أن يؤدي الحاج مناسكه في منى  يوم العيد  والتفصيل في الفصول الآتية بعنوان «في منى» وما بعده.


 

السعي والتقصير

قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)  (سورة البقرة: 158).

اتفقوا على أن مرتبة السعي تأتي بعد الطواف، وبعد ركعتيه عند من أوجبهما، وإن من سعى قبل أن يطوف فعليه أن يرجع، فيطوف، ثم يسعى، ولم أرَ من أوجب الموالاة بين الطواف والسعي، بحيث يبتدئ بالسعي بعد الطواف مباشرة.

عند الإمامية: لا يجوز تأخير السعي عن الطواف وصلاته إلى اليوم التالي اختياراً، ويجوز التأخير إلى الليل.

المستحبات:

جاء في كتاب فقه السنة:

«يستحب الرقي على الصفا والمروة، والدعاء عليهما بما شاء من أمر الدين والدنيا مع استقبال البيت. فالمعروف من فعل رسول الله (ص) أنه خرج من باب الصفا.. ثم رقي عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبره ثلاثاً وحمده ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شي‏ء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».

وجاء في كتاب الجواهر للإمامية:

«يستحب استلام الحجر، والشرب من ماء زمزم، والصب منه على الجسد، والخروج من الباب المقابل للحجر الأسود، وأن يصعد الصفا، ويستقبل الركن العراقي، ويحمد الله ويثني عليه، وأن يطيل الوقوف على الصفا، ويكبر الله سبعاً، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، يكررها ثلاثاً، ويدعو بالدعاء المأثور».

وهذا كما ترى لا يختلف عن السنة إلا في شيء من التعبير، ولم أرَ أحداً من الفقهاء أوجب الطهارة للسعي من الحدث والخبث، وأكثر المذاهب صرحت بالاستحباب، كما صرحوا جميعاً - ما عدا الشافعية - باستلام الحجر الأسود قبل الذهاب إلى السعي.

وصرحوا أيضاً باستحباب المشي هرولة بين الميلين حسب تعبير الحنفية والمالكية، وفي وسط المسافة حسب تعبير الشافعية، وبين المنارة وزقاق العطارين حسب تعبير الإمامية، وليس من شك أن معرفة الميلين والزقاق والمنارة تحتاج إلى مرشد خبير.

كيفية السعي:

اتفقوا على لزوم السعي بين الصفا والمروة(26)، واختلفوا في رُكنِّيَتْه، فقال الإمامية والشافعية والملكية: هو ركن. وقال أبو حنيفة: هو واجب، وليس ركناً.

وعن أحمد روايتان. (التذكرة وفقه السنة).

واتفقوا على أن عدد الأشواط سبعة، وإن على الساعي أن يبتدئ بالصفا، ويختم بالمروة(27)، وأن يعود من المروة إلى الصفا، حتى يتم السبعة، ويحسب الذهاب شوطاً مستقلاً، وكذا الإياب، ويتحصل من هذه العملية أربعة أشواط ذهاباً من الصفا إلى المروة، وثلاثة إياباً من المروة إلى الصفا، وبالتالي يكون الابتداء بالأول من الصفا، والختام بالسابع في المروة.

واختلفوا في جواز الركوب مع القدرة على المشي فقالوا جميعاً  ما عدا الحنابلة  يجوز الركوب للقادر والعاجز.

وقال الحنابلة: لا يجوز للعاجز، ولم أرَ من أوجب الموالاة بين الأشواط(28)، إلا الحنابلة، فنقل عنهم صاحب (الفقه على المذاهب الأربعة) إنها واجبة عندهم، كما نقل عن المالكية أن من فرق بين الأشواط تفريقاً كثيراً فعليه أن يستأنف السعي، ويغتفر الفصل اليسير، كما لو حصل منه بيع أو شراء لا يطول كثيراً.

تنبيه:

قال السيد الحكيم في منسكه: «يجب أن يستقبل المقصد في ذهابه وإيابه بوجهه، فإذا عرض عن المقصد بوجهه أو مشى القهقرى، أو عرضاً لم يجزى، ولا بأس بالالتفات مع بقاء مقاديم البدن على حاله».

ومعنى قوله هذا أن عليك، وأنت تسعى أن تتجه بكل بدنك إلى المروة وأنت ذاهب، وإلى الصفا وأنت آيب، ولا يجوز لك أن تسير مجانباً، وكتفك إلى الأمام، كما تفعل عند الزحام، ولك أن تلتفت بوجهك خاصة دون بدنك حال السير.

وقال السيد الخوئي في منسكه ما يقرب من هذا، وهذه عبارته بالحرف: «يجب استقبال المروة عند الذهاب، كما يجب استقبال الصفا عند الرجوع، فلو استدبر المروة عند الذهاب، أو استدبر الصفا عند الرجوع لم يجزى، ولا بالالتفات إلى اليمين، أو اليسار، أو الخلف عند الذهاب والإياب».

أحكام السعي:

من لم يتمكن من السعي، ولو بواسطة الركوب استناب من يسعى عنه، ويصح حجه.

ولا بأس بالالتفات بالوجه إلى اليمين أو اليسار، أو الخلف عند الذهاب والإياب.

ومن زاد على سبعة أشواط عامداً بطل السعي، ولا يبطل ساهياً.

إذا شك في عدد الأشواط، أو في صحتها بعد أن انتهى وفرغ من السعي بنى على الصحة، ولا شيء عليه، وعلّله صاحب الجواهر بأنه شك بعد الفراغ ولأصالة الصحة وللأخبار الواردة.

وإذا كان الشك في عدد الأشواط قبل إكمالها قال صاحب الجواهر: لا خلاف، بل لا إشكال في البطلان لتردده بين محذوري الزيادة والنقصان، وكل منهما باطل.

وإذا شك أنه ابتدأ من الصفا، فيكون صحيحاً، أو من غيره فيكون فاسداً. فإن كان شاكاً في العدد أيضاً ولا يدري كم أتى من الأشواط بطل السعي.

وإن كان ضابطاً للعدد، وشك في الابتداء فقط، فإن كان الشوط الذي في يده زوجاً، كأن يكون ثانياً أو رابعاً أو سادساً، وكان على الصفا أو متجهاً إليه صح السعي، لأنه يعلم والحال هذه، أن الابتداء كان من الصفا، وكذلك إذا كان الشوط مفرداً كما لو ثالثاً أو خامساً أو سابعاً، وكان على المروة، أو متجهاً إليها.

ولو انعكس الأمر بحيث كان الشوط مفرداً، وهو على الصفا، أو مزوجاً وهو على المروة، بطل السعي، ووجب الاستئناف. (الجواهر).

وعند بقية المذاهب أن من شك في عدد الأشواط أخذ بالأقل، كالصلاة (كفاية الأخبار).

وقال أبو حنيفة: لو ترك السعي بالمرة لا يبطل الحج، لأنه ليس ركناً، ويجبر الترك بدم. (ميزان الشعراني).

التقصير:

قال أحمد ومالك: لا بد من استيعاب الرأس بالحلق أو التقصير، وقال أبو حنيفة: يكفي الربع، وقال الشافعي: يكفي ثلاث شعرات (كرارة).

وقال الإمامية: يتخير المقصر بين أن يأخذ من شعر الرأس أو الشارب أو اللحية، أو يقص الظفر.

واتفقوا على أن التقصير نسك واجب، وليس بركن، وقال السيد الحكيم: هو كالتسليم في الصلاة، لأن به يتحلل المحرم من إحرامه كما يتحلل المصلي بالتسليم من صلاته.

ويجب التقصير، أو الحلق - على الخلاف - مرة واحدة في العمرة المفردة، ومرتين في حج التمتع، وإليك التفصيل:

التقصير في العمرة:

قال الإمامية: إذا سعى المعتمر بعمرة التمتع تعين عليه التقصير، ولا يجوز له الحلق، ومتى قصر حلّ‏َ له ما حرم عليه، وإذا حلق فعليه أن يكفر بشاة، أما إذا كان معتمراً بعمرة مفردة فهو مخير بين الحلق والتقصير، سواء أكان معه هدي، أم لم يكن.

وإذا ترك التقصير عمداً، وكان قاصداً حج التمتع، وأحرم للحج قبل أن يقصر بطلت عمرته، ووجب عليه أن يحج حجة الإفراد أي يأتي بأعمال الحج ثم يأتي بعدها بعمرة مفردة، والأولى إعادة الحج في السنة القادمة. وعن بعضهم الأحوط وجوباً إعادة الحج في السنة القادمة.

وقال غير الإمامية: إذا فرغ من السعي فهو مخير بين الحلق، والتقصير، أما الإحلال مما حرم الله عليه، فينظر، فإن كان المعتمر غير المتمتع يحل بمجرد التقصير أو الحلق، سواء أكان معه هدي، أم لم يكن، وإن كان المعتمر متمتعاً فيحل، إن لم يكن معه هدي، وإن كان معه هدي يبقى محرماً (المغني).

التقصير في الحج:

التقصير الثاني هو من أفعال الحج بشتى أنواعه تمتعاً كان أو إفراداً، أو قراناً ويأتي به الحاج بعد الذبح، أو النحر في منى. واتفقوا على أنه مخير بين التقصير والحلق، وأن الحلق أفضل.

واختلفوا فيمن لبد شعره: هل يتعين الحلق في حقه، أو هو مخير كغيره؟

قال الحنابلة والشافعية والمالكية: يتعين الحلق.

وقال الحنفية: هو مخير على كل حال.

وقالت الإمامية: وجوب الحلق عليه وكذلك الصرورة عند بعضهم.

واتفقوا على أنه ليس على النساء حلق، بل يتعين عليهن التقصير.

وقال أبو حنيفة، وجماعة من الإمامية: إن الذي لا شعر في رأسه، كالأصلع وما إليه يجب إمرار الموس على رأسه.

وقال البقية: هو مستحب (الحدائق، وفقه السنة). وقال الإمامية: يجب الحلق أو التقصير في الحرم (فقه السنة).

واتفقوا على أنه إذا قصر، أو حلق لا تحل له النساء. وعطف المالكية الطيب على النساء.

وعطف الإمامية: الصيد على الاثنين.. وتحريم الصيد عندهم لمكان الحرم الشريف. ويحل ما عدا هذه الثلاث بالجماع.

ويحل كل شي‏ء حتى النساء بعد طواف الزيارة عند الأربعة. ولا تحل النساء والطيب عند الإمامية إلا بعد طواف النساء.

ونختم القول بما جاء في كتاب (التذكرة) قال العلامة الجلي:

«لو رحل من منى قبل أن يحلق رجع وحلق، أو قصر وجوباً مع الإمكان، وإن لم يتمكن من الرجوع حلق مكانه، ورد شعره إلى منى، ليدفن هناك، ولو لم يتمكن لم يكن عليه شي‏ء»... وبالجملة إن وقت الحلق هو يوم العيد بالاتفاق، لقوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ).

ومحل الهدي بمنى يوم العيد، وقد ثبت عن رسول الله (ص) أنه رمى، ثم نحر، ثم حلق بمنى يوم العيد.

وتأتي الإشارة إلى حكم تقديم الحلق على الذبح عند الكلام على أعمال منى بعنوان (في منى).


 

الوقوف في عرفة

على المعتمر بعمرة مفردة،أو بحج التمتع أن يحرم، ويطوف، ويصلي ركعتين، ويسعى، ويقصر، وهذا الترتيب واجب، فيقدم الإحرام على الجميع، والطواف على الصلاة، والصلاة على السعي، ويختم بالتقصير(29).

العمل الثاني في الحج:

تبدأ أعمال الحج بالإحرام، تماماً كالعمرة، أما العمل الثاني من أعمال الحج الذي يلي الإحرام، ويعد ركناً من أركان الحج بالاتفاق، فهو الوقوف بعرفة بدون فرق بين أن يكون الحاج متمتعاً، أو مفرداً، ولكن يجوز للمفرد والقارن القادمين إلى مكة أن يطوفا بعد الإحرام، وقبل الخروج إلى عرفة طواف القدوم الذي هو أشبه بركعتي التحية للمسجد. قال السيد الحكيم في منسكه: «إذا دخل القارن والمفرد مكة قبل الوقوف جاز لهما الطواف المندوب».

وقال ابن حجر في فتح الباري بشرح البخاري:

«اتفقوا كلهم أن من أهلّ‏َ  أي أحرم  بالحج مفرداً لا يضره الطواف بالبيت» أي قبل الذهاب إلى عرفة.

أما المتمتع فيكتفي بطواف العمرة عن طواف القدوم.

قبل الوقوف بعرفة:

اتفقوا على أن الحاج يستحب له أن يخرج من مكة محرماً يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة متوجهاً إلى منى في طريقه إلى عرفة.

جاء في كتاب (التذكرة) وكتاب (الجواهر) للإمامية: «يستحب لمن أراد الخروج إلى عرفة أن لا يخرج من مكة، حتى يصلي الظهرين».

وقال الأربعة: بل يستحب أن يصلي الظهرين بمنى. (المغني)

ومهما يكن، فتجوز المبادرة إلى عرفة قبل يوم التروية بيوم أو يومين بخاصة للمريض والشيخ الكبير والمرأة، ومن يخاف الزحام، كما يجوز التأخير إلى صباح اليوم التاسع على أن يكون عند الزوال في عرفة.

ولم أرَ أحداً من فقهاء المذاهب قال بوجوب المبيت بمنى ليلة عرفة، أو بوجوب أي عمل فيها، بل قال العلامة الحلي في التذكرة: «المبيت ليلة عرفة بمنى استحب للاستراحة، وليس بنسك، ولا يجب بتركه شي‏ء». وجاء مثل ذلك في كتاب (فتح القدير) وكتاب (فتح الباري).

وتعبير العلامة الحلي بلفظ الاستراحة يغني عن الشرح والتطويل، فلقد كان السفر فيما مضى متعب وطويل، فاستحب للحاج المبيت بمنى لكي يصل إلى عرفة نشيطاً مرتاحاً، أما اليوم السفر نزهة، وعليه فإذا بات ليلة عرفة بمكة، ثم غدا تواً إلى عرفة صباحاً مجتازاً بمنى أو بعد صلاة الظهر  كما يفعل اليوم الحجاج  فقد أجزأ، وكفى ولا شيء على من يفعل ذلك... أجل يجب رمي الجمرة بمنى، ولكن بعد الوقوف بعرفة، ويأتي البيان.

وقت الوقوف بعرفة:

اتفقوا على أن وقت الوقوف بعرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة. واختلفوا في ابتداء الوقوف، ومنتهاه من هذا اليوم.

قال الحنفية والشافعية والمالكية: يبتدئ من زوال اليوم التاسع إلى فجر اليوم العاشر.

وقال الحنابلة بل من فجر التاسع إلى فجر العاشر.

وقال الإمامية: من زوال التاسع إلى غروب شمسه للمختار، أما المضطر فإلى طلوع الفجر.

ويستحب الغسل للوقوف بعرفة، تماماً كغسل الجمعة، ولا شيء من الأعمال في عرفة سوى الحضور والوجود في أي جزء منها، ولو كان نائماً أو مستيقظاً أو راكباً أو قاعداً أو ماشياً.

حدود عرفة:

حدود عرفة هي بطن عرنة وثوبة، ونمرة إلى ذي المجاز  أسماء أماكن  فلا يجوز الوقوف في هذه الحدود، ولا تحت الاراك، لأن هذه ليست من عرفة، فلو وقف بها بطل حجه عند الجميع كافة إلا مالكاً فإنه قال: لو وقف ببطن عرنة أجزأه، وعليه دم.

وعرفة كلها موقف، في أي مكان وقف منها كفى وأجزأ بالاتفاق.

قال الإمام الصادق (ع): وقف رسول الله (ص) بعرفة، فازدحم الناس عليه، وبادروا إلى خفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحى الناقة عنهم، ففعلوا مثل ذلك، فقال: «أيها الناس ليس الموقف هو خفاف ناقتي فقط، ولكن هذا كله (مشيراً إلى عرفة) موقف، ولو لم يكن إلا خفاف ناقتي لم يسع الناس» (التذكرة).

شروط الوقوف بعرفة:

لا تشترط الطهارة للوقوف بعرفة بالاتفاق.

وقال الإمامية والمالكية: لا بد من النية وقصد الوقوف بعرفة، والقصد يستدعي العلم بها، فلو مر بها، وهو لا يعلم أو علم، ولم يقصد الوقوف المأمور به لا يعتبر وقوفاً.

وقال الشافعية والحنابلة: لا يشترط القصد ولا العلم، وإنما يشترط أن لا يكون مجنوناً ولا سكراناً ولا مغنى عليه.

وقال الحنفية: لا تشترط النية، والعلم ولا العقل، فمن حضر بعرفة في الوقت المحدد صح حجه ناوياً كان أو غير ناوٍ، عالماً بالمكان أو جاهلاً، عاقلاً أو مجنوناً (فقه السنة، والتذكرة).

وهل يجب الوقوف بعرفة في جميع الوقت المحدد، أو يكفي مسمى الوقوف ولو لحظة؟

قال الإمامية: للوقوف وقتان: اختياري واضطراري، والأول من زوال التاسع إلى غروب الشمس منه، والثاني إلى فجر اليوم العاشر، فمن تمكن أن يقف من زوال التاسع إلى غروب شمسه مستوعباً هذا الوقت بكامله وجب عليه ذلك، ولكن الركن منه مسمى الوقوف فقط، والباقي واجب غير ركن.

ولازم ذلك أن من ترك الوقوف كلية فسد حجه لأنه ترك ركناً، أما لو وقف يسيراً، فإنه يترك واجباً غير ركن، وعليه يصح حجه، وإذا لم يتمكن من الوقوف في تمام الوقت الاختياري لعذر من الأعذار المشروعة أجزأه قليل من الوقوف ليلة العيد.

وقال الشافعية والمالكية والحنابلة: يكفي الحضور، ولو لحظة (الفقه على المذاهب الأربعة، ومنار السبيل).

وقال الإمامية: إذا خرج من عرفة قبل الزوال عامداً فعليه أن يعود إليها وإن عاد فلا شي‏ء عليه، وإلا كفّر ببدنة، فإن عجز صام 18 يوماً بالتوالي، وإن خرج سهواً، ولم يتذكر حتى فات الوقت فلا شي‏ء عليه، على شريطة أن يدرك الوقوف بالمشعر في وقته، وإن تذكر قبل فوات الوقت رجع مع الإمكان، وإن لم يرجع، والحال هذه فعلية بدنة.

وعن الإمام الخامنائي: أنه لا كفارة عليه.

وقال المالكية: من وقف بعرفة بعد الزوال وخرج منها قبل الغروب فعليه أن يحج في السنة القادمة إلا أن يرجع إلى عرفة قبل الفجر.

وقال جمهور العلماء: بل حجه تام (البداية لابن رشد).

وجاء في كتاب (الفقه المصور على مذهب الشافعي): «إذا ترك الوقوف لنسيان وجب عليه أن يقلب حجه عمرة، ثم يأتي بما بقي عليه من أعمال الحج بالفراغ من أعماله، ويجب عليه إعادة الحج فوراً في السنة القادمة».

ويستحب لمن يقف بعرفة الطهارة الكاملة، واستقبال القبلة، والإكثار من الاستغفار، والدعاء مع الخشوع والخضوع وحضور القلب.


 

الوقوف بالمزدلفة

قال الله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (سورة البقرة: 198).

الوقوف بالمزدلفة هو الفعل الذي يأتي بعد الوقوف بعرفة إجماعاً.

واتفقوا على أن الحاج يتوجه من عرفة إلى المزدلفة، وفيها المشعر الحرام المراد بقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ).

وأيضاً اتفقوا على أنه يستحب أن يؤخر صلاة المغرب من ليلة العيد إلى المزدلفة، قال صاحب التذكرة: إذا غربت الشمس في عرفة فليفض منها قبل الصلاة إلى المشعر، ويدعو بالمنقول.

وقال صاحب المغني: «إن السنة لمن دفع من عرفة  أي خرج منها  أن لا يصلي المغرب، حتى يصل إلى المزدلفة، وفي جمع بين المغرب والعشاء». لا خلاف في هذا.

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم لا اختلاف بينهم أن السنة بأن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء، والأصل في ذلك أن النبي (ص) جمع بينهما(30).

واتفقوا  ما عدا الحنفية  على أن من صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة، ولم يجمع بين الصلاتين صحت صلاته، وإن خالف المستحب.

وقال أبو حنيفة: لا يجزئه ذلك.

حد المزدلفة:

جاء في كتاب (التذكرة) وكتاب (المغني): إن للمزدلفة ثلاثة أسماء (مزدلفة  جمع  والمشعر الحرام) وحدها من مأزمى إلى الحياض، إلى وادي محسر، والمزدلفة كلها موقف، تماماً كعرفة، ففي أي موضع وقف منها كفى..

وفي كتاب (المدارك): إن المقطوع به في كلام فقهاء الإمامية أنه يجوز مع الزحام الارتفاع إلى الجبل، وهو أحد الأمكنة التي تنتهي عندها حدود المزدلفة.

المبيت والوقوف:

هل يجب المبيت في المزدلفة ليلة العيد، أو يكتفي بالوقوف في المشعر الحرام ولو لحظة بعد مطلع الفجر؟ هذا مع العلم بأن المراد بالوقوف مجرد الكون على أية صورة ماشياً، أو قاعداً أو راكباً ، تماماً كما هي الحال في عرفة.

قال الحنفية والشافعية والحنابلة: يجب المبيت بالمزدلفة، ومن تركه فعليه دم. (المغني).

وقال الإمامية والمالكية: لا يجب، ولكنه الأفضل، كما عبر شهاب الدين البغدادي المالكي في كتاب (إرشاد السالك). والأحوط كما عبر السيد الحكيم والسيد الخوئي، ومهما يكن فلا قائل بأنه ركن.

وعند الخامنائي: أن الأحوط الوقوف في المشعر بنيتّه من حين الوصول إليه ليلاً بعد الإفاضة من عرفات.

أما الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر فقد نقل ابن رشد في كتاب (البداية والنهاية) عن الجمهور بأنه سنة من سنن الحج، وليس فرضاً من فروضه(31).

وجاء في كتاب (التذكرة) يجب الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر، فلو أفاض قبل طلوعه مختاراً عامداً بعد أن وقف به ليلاً جبره بشاة، وقال أبو حنيفة: يجب الوقوف بعد طلوع الفجر، كقولنا، وقال الباقون بجواز الخروج بعد منتصف الليل.

وعلى هذا يجوز الخروج من المزدلفة قبل طلوع الفجر عند غير الإمامية والحنفية.

وقال الإمامية: إن للوقوف بالمشعر الحرام وقتين. أولهما لمن لا عذر له في التأخير، وهو ما بين الطلوعين من يوم العيد، أي طلوع الفجر، وطلوع الشمس، على أن يستوعب الوقوف هذه الفترة بكاملها، ومن أفاض عالماً عامداً من المشعر قبل طلوع الفجر بعد أن كان به ليلاً، ولو قليلاً، لم يبطل حجه إن كان قد وقف بعرفات وعليه دم شاة، وإن تركه جهلاً فلا شي‏ء عليه، كما هو صريح الرواية المتقدمة. وثانيهما للنساء ولمن له عذر يمنعه عن الوقوف بين الطلوعين، ويمتد إلى زوال الشمس من يوم العيد.

قال صاحب الجواهر: «وعلى هذا الإجماع مضافاً إلى النصوص». ويتفق هذا مع فتوى السيد الحكيم، والسيد الخوئي، ولكن هذا السيد لم يجعل الزوال الحد النهائي للمضطر، بل قال: أجزأه الوقوف وقتاً ما بعد طلوع الشمس.

وقال الإمامية: إن الوقوف في جزء ما من هذين الوقتين المحددين هو ركن من أركان الحج، فمن ترك الوقوف كلية بدون عذر في الوقت الاختياري والاضطراري، ولم يكن قد وقف ليلاً بطل حجه. ولو ترك ذلك لعذر مشروع لم يبطل حجه، على شريطة أن يكون قد وقف بعرفة، ومن فاته الوقوف بعرفة وبالمشعر، ولم يقف فيهما لا في الاختياري ولا الاضطراري بطل حجه، حتى لو كان الترك لعذر مشروع، وعليه أن يحج من قابل وجوباً، إن كان الحج الذي فاته واجباً، واستحباباً، إن كان الفائت كذلك (الجواهر).

والوقوف بالمشعر الحرام أعظم عند الإمامية من الوقوف بعرفة، ومن هنا قالوا من فاته الوقوف بعرفة، وأدرك الوقوف بالمشعر قبل طلوع الشمس تم حجه (التذكرة).

المستحبات‏

قال الإمامية: يستحب للصرورة، وهو الذي لم يحج من قبل، أن تمس رجله المشعر الحرام (الجواهر).

وقال الإمامية والشافعية والمالكية: يستحب أن يأخذ معه حصاة الجمار من المزدلفة إلى منى، وعددها سبعون، وقال صاحب التذكرة: إن السر في ذلك أن لا يستغل الحاج عند قدومه إلى منى بغير الرمي.

ونقل عن ابن حنبل أنه قال: خذ الحصى، حيث شئت، ولا خلاف في أن أخذه من حيث شاء مجزٍ.

ويستحب الكون على الطهارة، والتهليل والتكبير، والدعاء بالمأثور وغير المأثور.


 

في منى‏

اتفقوا قولاً واحداً على أن المناسك التي تلي الوقوف بالمشعر الحرام هي مناسك منى، ويخرج من المزدلفة بعد طلوع الشمس، وإذا خرج منها قبل طلوع الشمس وتجاوز حدودها وجبت عليه كفارة شاة على قول الخوئي.

ولمنى مناسك شتى تستمر من يوم النحر، وهو يوم العيد إلى صبيحة اليوم الثالث عشر، أو مساء الثاني عشر، وفي منى تنتهي واجبات الحج، وتسمى الأيام الثلاثة التي تلي يوم العيد أيام التشريق، وهي الحادي عشر، والثاني عشر والثالث عشر(32).

ويجب يوم العيد في منى ثلاثة مناسك:

1- رمي جمرة العقبة.

2- الذبح .

3- الحلق أو التقصير.

وبعد أن اتفقوا على أن رسول (ص) رمى أولاً، ثم نحر، ثم حلق، اختلفوا: هل هذا الترتيب واجب بحيث لا يجوز تقديم ما أخر الرسول، ولا تأخير ما قدم، أو أنه سنة يجوز تركها؟

قال الشافعية وأحمد: لا شيء على من قدم، أو أخر.

وقال مالك: من حلق قبل أن يرمي فعليه فدية، ومن حلق قبل أن يذبح، أو ذبح فعليه دمان (بداية ابن رشد).

وقال الإمامية: لو قدم بعضاً على بعض عالماً عامداً تم، ولا إعادة عليه. قال صاحب (الجواهر): بلا خلاف محقق أجده، وفي (المدارك) أن الفقهاء الإمامية قاطعون به.

وفيما يلي عقدنا لكل منسك من مناسك منى فصلاً مستقلاً.


  

جمرة العقبة

عدد الجمار:

يجب رمي الجمار في منى على كل حاج متمتعاً كان أو قارناً أو مفرداً. وعددها عشر موزعة على أربعة أيام: الأول يوم العيد، وترمى فيه جمرة واحدة، وتسمى جمرة العقبة، وعقدنا هذا الفصل بيانها. الثاني اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وترمى فيه ثلاث جمار. والثالث. فيه أيضاً ثلاث. واليوم الرابع كذلك، هذا إن بات الحاج بمنى ليلة الثالث عشر، وإلا فلا رمي عليه في هذا اليوم.

جمرة اليوم العاشر:

اتفقوا على أن من رمى جمرة العقبة في الوقت المتخلل بين طلوع الشمس وغيابها من اليوم العاشر أجزأ، وكفى.

واختلفوا فيما لو رماها قبل هذا الوقت، أو بعده.

قال المالكية والحنفية والحنابلة والإمامية: لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل الفجر، فإذا رماها قبله من غير عذر أعاد، وأجازوا التقديم لعذر، كالعجز والمرض والخوف.

وقال الشافعية: لا بأس بالتقديم، لأن الوقت المذكور للاستحباب لا للوجوب (التذكرة، وبداية ابن رشد).

أما إذا أخرها، حتى غابت الشمس من يوم النحر فقال مالك: إن رماها في الليل، أو في الغد فعليه دم.

وقال الشافعية: لا شي‏ء عليه إن رماها ليلاً أو في الغد. (بداية ابن رشد).

وقال الإمامية: وقت رمي هذه الجمرة يمتد من طلوع الشمس إلى غروبها، فإذا نسي قضى في الغد، فإذا نسي ففي اليوم الثاني عشر، وإن لم يتذكر ففي الثالث عشر، وإن استمر النسيان، حتى خرج من مكة قضاه في العام القادم بنفسه، أو استناب من يقضي عنه.

شروط الرمي:

ولرمي الجمار شروط:

1- النية، صرح الإمامية بذلك.

2- أن يكون الرمي بسبع حصى، بالاتفاق.

3- أن يكون الرمي حصاة، فحصاة بانفراد، ولا يكفي اثنين أو أكثر دفعة واحدة، بالاتفاق.

4- إن تصل الحصاة إلى الجمرة، أي الهدف المعلوم، بالاتفاق.

5- أن يكون وصولها بتوسط الرمي، فلا يكفي أن يطرحها طرحاً عند الإمامية والشافعية، ويجوز ذلك عند الحنابلة والحنفية (المغني).

6- أن تكون الحصاة حجراً، فلا يكفي الرمي بالملح والحديد والنحاس والخشب، وما إلى ذلك، عند الجميع - ما عدا الحنفية - فإنه قال يجزي كل ما كان من جنس الأرض، خزفاً أو طيناً أو حجراً (المغني).

7- أن تكون الحصى أبكاراً، أي لم يرمِ بها من قبل. صرح بذلك الحنابلة.

ولا يشترط الطهارة في الرمي، وإن كان معها أفضل.

وقال الإمامية يستحب أن تكون الحصاة بقدر رأس الأنملة، وأن تكون خرشاً، لا سوداً، ولا بيضاً ولا حمراً، وقال غيرهم: يستحب أن تكون بقدر حبة الباقلاء (أي الفول).

وقال أيضاً: يستحب للحاج أن يؤدي جميع أفعاله، وهو مستقبل القبلة إلا جمرة العقبة يوم العيد، فيستحب له أن يكون مستديراً، لأن النبي رماها كذلك.

وقال غيرهم: بل يستحب الاستقبال، حتى في هذه الحال.

ويستحب أن يكون حال الرمي راجلاً: ويجوز راكباً، وأن لا يبعد عن الجمرة أكثر من عشرة أذرع، وأن يكون الرمي باليد اليمنى، وأن يدعو بالمأثور وغيره، من المأثور: «اللهم أجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، اللهم إن هذه حصياتي، فأحصهن لي، وأرفعن في عملي، الله أكبر، اللهم ادحر الشيطان عني».

الشك:

إذا شك في أنه أصاب الهدف أو لا؟ بني على عدم الإصابة، وإذا شك في العدد بني على الأقل، لأن الأصل عدم الزيادة.

وبالتالي، فإن جمرة العقبة أول منسك يؤديه الحاج من مناسك منى في يوم العيد، ثم يذبح أو يحلق، أو يقصر، ثم يمضي إلى مكة لأجل الطواف في هذا اليوم بالذات، ولا جمرة غير هذه يوم العيد. وإلى الكلام عن الهدي في الفصل التالي.

الهدي:

الواجب الثاني من أعمال منى يوم العيد هو الهدي، والكلام عنه يقع:

أولاً: في تقسيمه إلى واجب وغيره، ثم تقسيم الواجب إلى أقسام.

ثانياً: فيمن يجب عليه الهدي.

ثالثاً: في صفات الهدي.

رابعاً: في وقته ومحل نحره أو ذبحه.

خامساً: في حكم لحمه.

سادساً: في البدل عنه لمن لم يجد الهدي ولا ثمنه.

أقسام الهدي:

ينقسم الهدي إلى واجب، ومستحب، والمستحب هو الأضحية. وجاء في تفسير قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) إن الله أمر نبيه المرسل (ص) بالنحر بعد صلاة العيد، وجاءت الرواية إن النبي ضحى بكبشين أقرنين أملحين، والأقرن ما له قرن، والأملح ما غلب بياضه على سواده.

وقال المالكية والحنفية: إن الأضحية واجبة على كل أهل بيت في كل عام كما هي الحال بالقياس إلى زكاة الفطر.

وقال الإمامية والشافعية: إن أيام الأضحية المستحبة في منى أربعة: يوم العيد، والثلاثة التي تليه، وهي أيام التشريق، أما في غير منى فأيام الأضحية ثلاثة فقط: يوم العيد، والحادي عشر، والثاني عشر.

وقال المالكية والحنابلة والحنفية: إن أيامها ثلاثة في منى، وغير منى.

ومهما يكن، فإن أفضل أوقاتها يوم الأضحى بعد طلوع الشمس، ومضي ما يتسع لصلاة العيد والخطبتين (التذكرة).

والدماء الواجبة بنص القران الكريم أربعة:

1- دم التمتع، قال تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ).

2- دم الحلق، وهو مخير، قال عز من قائل: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ).

3- هدي الجزاء، قال سبحانه: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ).

4- وهدي الحصار، قال عز شأنه: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) (التذكرة).

ويضاف إلى هذه الأربعة ما وجب بالعهد، أو النذر، أو اليمين، ونتحدث في الفقرة التالية عن الهدي، كجزء من أعمال الحج، ومنسك من مناسكه.

من يجب عليه الهدي:

لا يجب الهدي على من اعتمر بعمرة مفردة، ولا على الحاج المفرد بالاتفاق. وأيضاً اتفقوا قولاً واحداً على وجوب الهدي على المتمتع غير المكي.

وقال الأربعة: يجب على القارن أيضاً.

وقال الإمامية: لا يجب الهدي على القارن إلا بنذر، أو بسياق الهدي معه من الإحرام.

واختلفوا في المكي إذا تمتع: هل عليه دم أو لا؟ قال الأربعة: لا يجب عليه الهدي، فقد جاء في كتاب (المغني): لا خلاف بين أهل العلم أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام.

وقال الإمامية: لو حج المكي حج التمتع(33) يجب عليه الهدي؟ فقد جاء في كتاب (الجواهر): لو تمتع المكي وجب عليه الهدي على المشهور شهرة عظيمة.

واتفقوا على أن الهدي الواجب ليس ركناً من أركان الحج.

صفات الهدي:

يشترط في الهدي ما يلي:

1- أن يكون من الأنعام: الإبل، البقر، والغنم، والمعز بالاتفاق.

وجاء في كتاب (المغني) إن الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة قالوا: لا يجزي من الضأن إلا الجذع، وهو الذي له ستة أشهر، ومن الماعز الثني، وهو ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنوات.

ويتفق هذا مع ما جاء في كتاب (الجواهر) للإمامية سوى أنه فسر الثني من الإبل بما دخل في السادسة، والماعز ما دخل في الثانية.

وقال السيد الحكيم والسيد الخوئي: يجزي من الإبل ما دخل في السادسة ومن البقر والماعز ما دخل في الثالثة، ثم قالا: ومن الغنم ما دخل في الثانية على الأحوط.

2- أن يكون الهدي تاماً خالياً من العيوب: فلا تجزي العوراء، ولا العرجاء، ولا المريضة، ولا الكبيرة التي لا مخ لها بالاتفاق.

واختلفوا في الخصي، وفي الجماء، وهي التي لا قرن لها، وفي الصماء وهي التي لا أذن لها، أم أذن صغيرة، وفي البتراء وهي المقطوعة الذنب.

فقال السيد الحكيم والسيد الخوئي: لا يجزي شي‏ء منها.

وقال صاحب المغني: بل يجزي كل نوع منها.

وقال العلامة الحلي في التذكرة: الإناث من الإبل والبقر أفضل، والذكران من الضأن والماعز أولى، ولا خلاف في جواز العكس في البابين.

وقال صاحب المغني: الذكر والأنثى في الهدي سواء.

وقت الهدي ومكانه:

أما وقت ذبح الهدي أو نحره فقال المالكية والحنفية والحنابلة: أنه يوم العيد وتالياه الحادي عشر والثاني عشر، سوى أن الحنفية قالوا: إن هذا الوقت لهدي القران والتمتع، أما غيره فلا يتقيد بزمان، ولم يفرق المالكية بين أنواع الهدي، كما جاء في كتاب (الفقه على المذاهب الأربعة).

وقال الحنابلة: عن قدم الذبح عن وقته وجب عليه البدل، وإن أخره عنه فإن كان تطويعاً سقط بذهاب وقته، وإن كان واجباً قضاه.

وقال الحنفية: إن ذبح هدي التمتع والقران، قبل أيام العيد الثلاثة لم يجز، وأن تأخر أجزأ، وعليه كفارة عن التأخر.

وقال الشافعية: وقت الهدي الواجب على المتمتع إحرامه بالحج ويجوز تقديمه عليه، ولا حد لأخره، والأفضل يوم النحر (الفقه على المذاهب الأربعة).

وبعد أن أوجب الإمامية النية في الذبح أو النحر قالوا: إن وقت الذبح أو النحر، هو يوم العيد، وإن أخره إلى اليوم الثاني، أو الثالث، أو الرابع، يجزي ولكن يأثم بالتأخير، وكذلك يجزي لو ذبحه بقية أيام ذي الحجة، ونقل صاحب الجواهر عدم الخلاف في ذلك، حتى ولو كان التأخير بدون عذر.

ولا يجوز تقديم الذبح أو النحر على اليوم العاشر عند الإمامية.

أما مكان الهدي فهو الحرم عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويشمل الحرم منى وغيرها.

وقال المالكية: لذبح الهدي بمنى ثلاثة شروط:

الأول: أن يكون مسوقاً في إحرام الحج، لا في إحرام العمرة.

الثاني: أن يقف بالهدي بعرفة جزءاً من ليلة يوم العيد.

والثالث: أن يريد نحره أو ذبحه في يوم العيد وتاليه.

وقال الإمامية: لن يكون النحر أو الذبح للمتمتع إلا بمنى، حتى لو تمتع ندباً، لا وجوباً، أما ما يساق في إحرام العمرة فينحر أو يذبح بمكة (التذكرة).

وعلى أية حال، فإن الهدي بمنى جائز عند الجميع، وهو الأفضل، قال ابن رشد: «وبالجملة النحر بمنى إجماع من العلماء»، وبالتالي فإن الخلاف بين الإمامية وبين غيرهم إن الإمامية يقولون بتعيين منى، وغيرهم يقول بالتخيير بينها وبين غيرها من أجزاء الحرم.

لحم الهدي:

قال الحنابلة والشافعية: ما وجب نحره بالحرم وجب تفرقة لحمه على المساكين.

وقال الحنفية والمالكي: بل يجوز تفرقة لحمه في الحرم وغيره.

وقال الشافعية: كل ما كان واجباً من الهدي لا يجوز الأكل منه، وكل ما كان تطوعاً يجوز الأكل منه.

وقال المالكية: يأكل من الهدي كله إلا فدية الأذى، وجزاء الصيد، وما نذر للمساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله (المغني، الفقه على المذاهب الأربعة، وفقه السنة).

وقال الإمامية: يتصدق بثلث الهدي على الفقير المؤمن ويهدي الثلث إلى المؤمنين، حتى ولو كانوا أغنياء، ويأكل من الثلث الباقي (الجواهر، ومنسكا السيدين الحكيم والخوئي).

وعند الإمام الخامنائي: أنه لا يجب هذا التقسيم وإن استحب.

البدل:

اتفقوا على أن الحاج إذا لم يجد الهدي ولا ثمنه انتقل إلى البدل عنه، وهو صوم عشرة أيام، ثلاثة منها متتابعات في أيام الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، لقوله تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ)(34).

وتعتبر القدرة على الهدي في مكانه، فمتى عدُم من موضعه انتقل إلى الصوم، حتى ولو كان قادراً عليه في بلده، لأن وجوبه مؤقت، وما كان كذلك اعتبرت القدرة عليه في وقته، تماماً كالماء في الطهارة (التذكرة).

التوكيل بالذبح:

الأفضل أن يتولى الحاج الذبح بنفسه، ويجوز أن يوكل فيه غيره، لأنه من الأفعال التي تقبل النيابة على أن ينوي الوكيل النيابة في الذبح عن الأصيل والأفضل أن ينوبا معاً.

وقال الإمامية: يستحب أن يضع الحاج يده مع يد الذابح أو يحضر حال الذبح.

وجاء في كتاب مناهج اليقين للشيخ عبد الله المامقاني من الأمامية إذا غلط الوكيل في اسم الأصيل أو نسمي اسمه لم يضر ذلك لأن العمدة على القصد وهو جيد فقد جاء عن الإمام أن وكيلا في الزواج أخطأ باسم الجارية. فسمى غيرها. فقال الإمام: لا بأس.

القانع والمعتر:

جاء في القرآن الكريم الآية 36 من سورة الحج: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ).

قال الإمام الصادق: "القانع هو الذي يرضى بما تعطيه، ولا يسخط، ولا يكلح، ولا يلوي شدقه غضباً. والمعتر هو المار بك لتطعمه"(35) أي يعترض لك.

عرض البدنة:

من وجبت عليه بدنة في كفارة أو نذر، ولم يجدها كان عليه سبع شيات بذبحها على الترتيب، وإن لم يتمكن صام ثمانية عشر يوماً (التذكرة).

التقليد والاشعار:

التقليد أن يجعل في عنق الهدي نعلاً، وما أشبهه، والاشعار أن يشق صفحة السنام الأيمن للإبل أو البقر، حتى يدميها ويلطخها بالدم.

وقد استحب الاشعار والتقليد على عامة فقهاء المذاهب إلا أبو حنيفة فإنه، قال: يسن تقليد الغنم، ويسن تقليد الإبل، أما الاشعار فلا يجوز بحال، لأنه تعذيب وإيلام للحيوان (المغني).

وكلنا من أنصار الرفق بالحيوان، وكلنا في الوقت نفسه مسلمون، وقد أباح الإسلام ذبح الحيوان، ونحره، بل أوجبه في الهدي باعتراف أبي حنيفة وفتواه وعمله، فالاشعار بطريق أولى.

الصدقة على غير المسلم:

قال السيد الخوئي في مناسك الحج: إذا تصدق الحاج أو أهدى الذبيحة إلى إنسان جاز لهذا الأخير أن يعطيها لمن شاء حتى لغير المؤمن المسلم.

وبصورة عامة، أباح الإمامية الوقف والصدقة غير الواجبة على المسلم وغير المسلم، قال السيد أبو الحسن الأصفهاني في وسيلة النجاة: «لا يعتبر في المتصدق عليه في الصدقة المندوبة الفقر، ولا الإيمان، بل ولا الإسلام، فتجوز على الغني، وعلى غير الإمامي،وعلى الذمي، وإن كانا أجنبيين» أي ليسا من قرابة المتصدق. بل قال السيد كاظم في ملحقات العروة تجوز الصدقة، حتى على الحربي.

حرق الهدي وطمره:

من عادة الحجاج - اليوم - أن يدفعوا نقوداً لمن يقبل الهدي ثم يدفنه، أو يطرحه جانباً، بالنظر لكثرة الهدي، وعدم وجود المستهلكين.

ولم أرَ أحداً فيما قرأت تعرض لجواز ذلك، أو منعه، رغم الحاجة الماسة إلى معرفة حكمه، ودليله.

وفي سنة 1949 استفتى الحجاج المصريون جامع الأزهر في ذلك، وطلبوا الإذن بدفع ثمن الهدي إلى المحتاجين، فنشر فضيلة الشيخ محمود شلتوت(36) كلمة في العدد الرابع من المجلد الأول من رسالة الإسلام التي تصدرها دار التقريب بالقاهرة، أوجب فيها الذبح حتى ولو استوجب الحرق أو الطمر.

ورد عليه(37) في مقال مطول نشر في عددين على التوالي من أعداد الرسالة المذكورة سنة 1950، وحين أعادت (دار العلم للملايين) ببيروت نشر كتاب (الإسلام مع الحياة) أدرجته فيه بعنوان: «هل تعبدنا الشرع بالهدي في حال يترك فيه للفساد؟» وكان قد انتهى بي القول إلى أن الهدي إنما يجب حيث يوجد الآكل، أو يمكن الانتفاع به بتجفيف اللحم، أو تعليبه بصورة فنية بحيث يسوغ أكله، أما إذا انحصر الهدي في الإتلاف كالحرق والطمر فإن جوازه، والحال هذه، محل للنظر والإشكال. ومن أراد التفصيل ومعرفة الدليل فليرجع إلى كتاب: (الإسلام مع الحياة) الطبعة الثانية.

وبعدها اُطلع على حديث في (لوسائل) يؤيد ما ذهب إليه الشيخ محمد جواد مغنية، فقد نقل الوسائل في الأضحية بعنوان (باب تأكد استحباب الأضحية) هذه الرواية عن الصادق (ع) عن آبائه عن رسول الله (ص) أنه قال: «إنما جعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم»(38).

وهذا الحديث وإن كان خاصاً في الأضحية المستحبة لكنه يلقي ضوءاً على الهدي الواجب. 


 

بين مكة ومنى‏

قدمنا إن العمل الأول في اليوم العاشر بمنى هو رمي جمرة العقبة، وفي الثاني الهدي، أما في الثالث فهو الحلق أو التقصير، وقد تكلمنا عنه في فصل سابق بعنوان (السعي والتقصير)، كما أشرنا إلى حكم تقديم الحلق أو التقصير على الذبح بعنوان (في منى) ومن أحب التفصيل فليرجع إلى هذين الفصلين.

وإذا قضى الحاج مناسكه في منى يوم العيد من الرمي والذبح رجع إلى مكة، وطاف بالبيت طواف الزيارة، وصلى ركعتيه، ثم سعى بين الصفا والمروة.

وعند الأربعة يعود إلى منى بعد هذا الطواف، ويحل له عندهم كل شيء حتى النساء.

وعند الإمامية يطوف طوافاً آخر، وهو طواف النساء، ويصلي ركعتيه ولا تحل النساء عندهم إلا بهذا الطواف.

المبيت في منى:

إذا انتهى من الطواف وجب عليه العودة إلى منى في ليالي التشريق، وهي ليلة الحادي عشر، وليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر إلا إذا تعجل وخرج بعد الزوال وقبل غروب شمس اليوم الثاني عشر، فلا يجب عليه شي‏ء والحال هذه في اليوم الثالث لقوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ).

وقال أبو حنيفة: المبيت بمنى سنة، وليس بواجب.

واتفق القائلون بوجوب المبيت على أنه نسك، وليس بركن، واختلفوا في وجوب الكفارة على تاركه.

قال ابن حنبل: لا شي‏ء عليه.

وقال الشافعي: عليه أن يكفر بمد. (التذكرة، والمغني، وفقه السنة).

وقال المالكية: عليه دم (شرح الزرقاني على موطأ مالك).

وقال الإمامية: «إذا بات بغير منى فإن كان بمكة مشتغلاً بالعبادة حتى أصبح فلا فدية عليه، أما إذا بات غير متعبد أو بات في غير مكة وإن تعبد كان عليه عن كل ليلة شاة، حتى ولو كان ناسياً أو جاهلاً» (مناهج الناسكين للسيد الحكيم).

ولا يجب شي‏ء من الأعمال في ليالي منى، ويستحب التهجد والعبادة.

الرمي أيام التشريق:

لا عمل للحاج متمتعاً كان، أو قارناً أو مفرداً، أيام التشريق إلا أن يرمي في كل يوم منها ثلاث جمار بالاتفاق، أما عدد الحصى، وما يتصل بها فعلى ما مر في جمرة العقبة التي رماها يوم العيد.

وقال الإمامية: يبدأ وقت الرمي من كل يوم من الأيام الثلاثة من طلوع الشمس إلى غروبها.

وقال الأربعة: بل من زوال الشمس إلى غروبها، فإن رماها قبل الزوال أعاد، على أن الإمامية قالوا: عند الزوال أفضل. وأجاز أبو حنيفة الرمي قبل الزوال في اليوم الثالث فقط، ويجوز تأخير الرمي إلى ما بعد الغروب لأولي الأعذار.

واتفق الجميع على عدد الجمار ولله الحمد، وكيفية رميها في الأيام الثلاثة. وفيما يلي نذكر صورة الرمي كما جاءت في كتاب (التذكرة، والمغني): «يرمي الحاج في كل يوم من الأيام الثلاثة إحدى وعشرين حصاة على ثلاث دفعات، في كل واحدة منها سبع حصى، يبتدئ بالأولى، وهي أبعد الجمرات من مكة، وتلي مسجد الخيف ويستحب أن يرميها حذفاً(39) عن يسارها من بطن المسيل، بسبع حصى، ويكبر عند كل حصاة ويدعو. ثم يتقدم إلى الجمرة الثانية، وتسمى الوسطى، ويقف عن يسار الطريق ويستقبل القبلة ويحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي (ص)، ثم يتقدم قليلاً، ويدعو، ثم يرمي الجمرة، ويصنع كما صنع عند الأولى ويقف ويدعو أيضاً بعد الحصاة الأخيرة.

ثم يمضي إلى الجمرة الثالثة وتسمى أيضاً جمرة العقبة، ويرميها كالسابقة ولا يقف بعدها، وبها يختم الرمي(40)».

فمجموع ما يرميه في الأيام الثلاثة بمنى 63 حصاة - إن بات بمنى ليلة الثالث عشر - كل يوم 21 جمرة، تضاف إلى السبع التي رماها يوم العيد، فتم على السبعين.

بعد أن نقل هذا صاحب (التذكرة) قال: لا نعلم فيه خلافاً.

وقال صاحب (المغني): ولا نعلم في جميع ما ذكرنا خلافاً إلا مالكاً فقد خالف بموضوع رفع اليدين.

وما ذكره صاحب المغني عين ما ذكره صاحب (التذكرة)، أو قريب منه.

وبهذا يتبين أن لكل واحدة من الجمار الثلاث مكاناً خاصاً بها من منى، ولا يجوز التعدي عنه.

واتفقوا جميعاً ما عدا - أبا حنيفة - على وجوب الترتيب بين هذه الجمار فلو قدم بعضها على بعض وجبت الإعادة على ما يحصل به الترتيب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب الترتيب (التذكرة والمغني).

ويجوز الرمي راكباً وماشياً، والمشي أفضل، ويجوز لمن له عذر أن يرمي عنه غيره، ولو ترك التكبير، أو الدعاء أو الوقوف بعد الثانية فلا شي‏ء عليه.

وإذا أخر رمي يومٍ إلى ما بعده عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً أو أخر الرمي بكامله إلى آخر أيام التشريق ورماها في يوم واحد فلا شي‏ء عليه عند الشافعية والمالكية.

وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة، أو حصاتين، أو ثلاثاً إلى الغد استدرك رميها في الغد، وعليه عن كل حصاة إطعام مسكين، وإن ترك أربعاً رماها في الغد وعليه دم.

واتفق الأربعة على أن من لم يرمِ الجمار، حتى مضت أيام التشريق فلا يجب عليه أن يرميها أبداً.

ثم اختلف الأربعة فيما بينهم في التكفير عن ذلك، فقال المالكية: من ترك الجمار كلها أو بعضها، ولم واحدة فعليه دم.

وقال الحنفية: إن تركها فعليه دم، وإن ترك جمرة فصاعداً فعن كل جمرة إطعام مسكين.

وقال الشافعية: عليه عن الحصاة الواحدة مد من طعام، وعن حصاتين مدان، وعن الثلاث دم (بداية ابن رشد، والمغني).

وقال الإمامية: إذا نسي رمي جمرة، أو بعضها عاد من الغد ما دامت أيام التشريق، وإن نسي الجمار بكاملها، حتى وصل إلى مكة وجب عليه الرجوع إلى منى والرمي إن كانت أيام التشريق باقية، وإلا قضى الرمي في السنة القادمة بنفسه، أو استناب عنه، ولا كفارة عليه (التذكرة).

ويتفق هذا مع فتوى السيدين الحكيم والخوئي، إلا أن الأول نعت وجوب القضاء بالأقوى، ونعته الثاني بالأحوط، واتفقا على أن من ترك الرمي متعمداً لم يبطل حجه.

وأشرنا فيما سبق إلى اتفاق المذاهب على أن للحاج أن يكتفي بيومين من أيام التشريق، فيخرج من منى قبل أن تغرب شمس اليوم الثاني عشر، فإن غربت وهو بها وجب عليه المبيت والرمي في اليوم الثالث عشر. ولكن الإمامية قالوا: إنما يجوز هذا الخروج والتعجيل لمن كان قد اتقى الصيد والنساء في إحرامه، وإلا يجب عليه المبيت في ليلة الثالث عشر أيضاً.

وتستحب الصلاة في مسجد الخيف بمنى، وفي سفح كل جبل يسمى خيفاً (التذكرة).

وإذا عاد إلى مكة بعد الانتهاء من مناسك منى استحب أن يطوف طواف الوداع عند الإمامية والمالكية.

وقال الحنفية والحنابلة: طواف الوداع واجب على غير المكي، وعلى من لا يريد الإقامة بمكة بعد الرجوع من منى.

وإذا حاضت المرأة قبل أن تودع خرجت، ولا وداع عليها، ولا فدية عند من قال بالوجوب على غير الحائض، لكن يستحب أن تودع من أدنى باب من أبواب المسجد، ولا تدخل.

وبهذا يختم الحاج أعماله، وفي الفصل التالي صورة الحج على المذاهب.


 

صورة الحج‏

رغبة في التوضيح والتيسير على القارئ نذكر فيما يلي صورة جامعة لأعمال الحج حسب الترتيب الشرعي بينها:

يُحرم الحاج البعيد عن مكة من الميقات الذي مر به، أو بما يحاذيه، ويشرع بالتلبية(41) ولا فرق في ذلك بين معتمر بعمرة منفردة، أو متمتع، أو مفرد، أو قارن، أما أهل الحرم فيحرمون من منازلهم(42).

فإذا رأى البيت كبر وهلل - استحباباً. وإذا دخل مكة اغتسل - استحباباً أيضاً.

ثم يدخل البيت، ويستلم الحجر الأسود، ويقبله إن استطاع، وإلا أشار إليه بيده، ويطوف طواف القدوم - استحباباً(43) إن كان مفرداً، أو قارناً، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يستلم الحجر إن استطاع، ويخرج من البيت، ثم يقيم في مكة باقياً على إحرامه، فإذا جاء يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة خرج إلى عرفة، وإن شاء خرج قبله بيوم.

وإن كان معتمراً بعمرة مفردة، أو حاجاً حج التمتع طاف - وجوباً - وصلى ركعتي الطواف، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر.

قال الإمامية: يخير بين الحلق والتقصير إن كان معتمراً بعمرة مفردة، أما إذا كان متمتعاً فيتعين عليه التقصير، كما أوجبوا على من اعتمر بعمرة مفردة أن يطوف ثانية طواف النساء بعد الحلق أو التقصير، ولا تحل له النساء إلا بعد هذا الطواف.

وقال الأربعة بالتخيير بين الحلق والتقصير للاثنين، ولم يوجبوا طواف النساء على أحد معتمراً كان أو حاجاً، كما أن مالكاً لو يوجب الحلق أو التقصير على المعتمر بعمرة مفردة. ويتحلل حينئذٍ من إحرامه ويباح له كل شي‏ء حتى النساء.

وقال الإمامية: يحل المتمتع إذا قصر، حتى ولو كان معه هدي، أي ساقه وقت الإحرام.

وقال غيرهم: إن المتمتع الذي أحرم بالعمرة من الميقات يحل إن حلق أو قصر إن لم يكن معه هدي، ويبقى محرماً إن كان معه هدي، أما المعتمر بعمرة مفردة فإنه يحل مطلقاً، سواء أكان معه هدي أم لم يكن، وبعد أن ذكر هذا صاحب المغني قال: لا نعلم فيه خلافاً.

ثم ينشي المتمتع إحراماً آخر من مكة في وقت يمكنه فيه أن يدرك الوقوف بعرفة حين الزوال من اليوم التاسع من ذي الحجة، ويستحب أن يكون تحت الميزاب.

ويتجه الحاج متمتعاً كان أو قارناً أو مفرداً إلى عرفة ماراً بمنى، ويبدأ وقت الوقوف بعرفة من زوال اليوم التاسع إلى فجر يوم العاشر عند الحنفية والشافعية والمالكية. ومن فجر التاسع إلى فجر العاشر عند الحنابلة.

ومن زوال التاسع إلى غروب شمسه عند الإمامية، وللمضطر إلى فجر اليوم العاشر(44).

ويدعو الحاج بعرفة، ويلح في الدعاء - استحباباً.

ثم يتجه إلى المزدلفة يصلي فيها صلاة المغرب والعشاء ليلة العيد جامعاً بينهما - استحباباً بالاتفاق.

ويجب عليه المبيت في هذه الليلة بالمزدلفة عند الحنفية والشافعية والحنابلة. ولا يجب عند الإمامية والمالكية، ولكنه الأفضل.

وفيها يجب الوقوف بالمشعر الحرام بعد طلوع الفجر عند الإمامية والحنفية، ومستحب عند غيرهم.

ومن المزدلفة يأخذ الحاج سبعين حصاة - استحباباً - ليرميها بمنى.

ثم يتجه إلى منى قبل طلوع الشمس من يوم العيد، فيرمي جمرة العقبة متمتعاً كان، أو قارناً، أو مفرداً، ويرميها بين طلوع الشمس وغيابها، ويكبر ويسبّح عند الرمي استحباباً.

ثم يذبح، إن كان متمتعاً، غير مكي بالاتفاق، ولا يجب على المفرد بالاتفاق، لكن يستحب، أما القارن فيجب عليه الذبح عند الأربعة، ولا يجب عليه عند الإمامية إلا إذا صحب معه الأضحية وقت الإحرام، وإذا تمتع المكي وجب عليه الذبح عند الإمامية، ولا يجب عند بقية المذاهب.

ثم يحلق أو يقصر متمتعاً كان،  و قارناً، أو مفرداً. ويحل له بالحلق أو التقصير ما حرم عليه إلا النساء عند الحنابلة والشافعية والحنفية، وإلا النساء والطيب عند الإمامية والمالكية.

ثم يعود إلى مكة في نفس اليوم، أي يوم العيد، فيطوف طواف الزيارة ويصلي ركعتيه متمتعاً كان أو قارناً أو مفرداً، ويحل له كل شي‏ء حتى النساء عند الأربعة.

ثم يسعى بين الصفا والمروة، إن كان متمتعاً بالاتفاق، وإن كان مفرداً أو قارناً وجب عليه السعي بعد طواف الزيارة عند الإمامية على كل حال.

وعند الإمامية يجب أن يطوف طوافاً آخر بعد السعي، متمتعاً كان أو قارناً أو مفرداً، وهذا هو طواف النساء، ولا تحل النساء عندهم إلا بهذا الطواف.

ثم يعود الحاج إلى منى في نفس اليوم العاشر، وينام فيها ليلة الحادي عشر، ويرمي الجمار الثلاث عند زوال الشمس إلى غروبها من يوم الحادي عشر بالاتفاق، وأجاز الإمامية الرمي بعد طلوع الشمس، وقبل الزوال. ثم يفعل في اليوم الثاني عشر ما فعله يوم الحادي عشر.

وله أن يترك منى قبل غروب هذا اليوم بالاتفاق،  وإن دخل الغروب، وهو فيها وجب عليه المبيت ليلة الثالث عشر، ورمي الجمار الثلاث في هذا اليوم.

وبعد الرمي يعود إلى مكة قبل الزوال، أو بعده إن شاء.

وإذا دخل مكة طاف طواف الوداع - استحباباً - عند الإمامية والمالكية.

ووجوباً على غير المقيم بمكة عند غيرهم.

وبهذا تختم أعمال الحج وصلى الله على محمد وآله وسلم. 


 

زيارة الرسول الأعظم (ص)

تستحب زيارة الرسول الأعظم (ص) استحباباً مؤكداً، فقد ثبت أنه قال: من زار قبري بعد موتي كمن هاجر إلي في حياتي.

وقال أيضاً: الصلاة في مسجدي كألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة فيه كألف صلاة في مسجدي.

ويتأكد استحباب الصلاة في مسجد الرسول أكثر أن تقع بين قبره ومنبره، فإنها روضة من رياض الجنة، كما ثبت الحديث. (والدخول إلى حجره الشريف والسلام عليه. ثم السلام على صاحبيه أبو بكر وعمر(رض)).

ويستحب إتيان المساجد كلها في المدينة مثل مسجد قبا(45)، ومشربة أم إبراهيم ومسجد الأحزاب، وغيره.

كما تستحب زيارة قبور الشهداء كلهم بخاصة قبر حمزة(ع) بأحد. وتستحب زيارة أئمة البقيع(46) وهم الإمام الحسن والإمام زين العابدين، والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم أفضل الصلاة والسلام.

أما زيارة فاطمة أم الحسنين فكزيارة أبيها، لأنها بضعة منه، وقد تعددت الأقوال في مكان قبرها الشريف، والأقرب والأصوب أنها دفنت في بيتها المجاور لمسجد أبيها، وحين زاد الأمويون في المسجد صار القبر من جملته.

وبهذا قال ابن بابويه:

وإنما قلنا: إنه أقرب، لأنه غير بعيد عن الرواية القائلة أن قبرها في الروضة بين القبر والمنبر. والله وحده العالم.


 

دعاء الإمام زين العابدين (ع) في يوم عرفة

الحمد لله رب العالمين اللهم لك الحمد بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، رب الأرباب وإله كل مألوه، وخالق كل مخلوق، ووارث كل شي‏ء، ليس كمثله شي‏ء، ولا يعزب عنه علم شي‏ء، وهو بكل شي‏ء محيط، وهو على كل شي‏ء رقيب، أنت الله لا إله إلا أنت الأحد المتوحد الفرد المتفرد، وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم المتكرم العظيم المتعظم الكبير المتكبر، وأنت الله لا إله إلا أنت، العلي المتعال الشديد المحال، وأنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم، وأنت الله لا إله إلا أنت السميع البصير القديم الخبير، وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم الأكرم الدائم الأدوم، وأنت الله لا إله إلا أنت الأول قبل كل أحد والآخر بعد كل عدد، وأنت الله لا إله إلا أنت الداني في علوه والعالي في دنوه، وأنت الله لا إله إلا أنت ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد، وأنت الله لا إله إلا أنت أنشأت الأشياء من غير نسخ، وصورت ما صورت من غير مثال وابتدعت المبدعات بلا احتذاء، أنت الذي قدرت كل شي‏ء تقديرا، ويسرت كل شي‏ء تيسيرا ودبرت ما دونك تدبيرا، وأنت الذي لم يعنك على خلقك شريك ولم يوازرك في أمرك وزير ولم يكن لك مشاهد ولا نظير، أنت الذي أردت فكان حتما ما أردت، وقضيت فكان عدلا ما قضيت، وحكمت فكان نصفا ما حكمت، أنت الذي لا يحويك مكان ولا يقم لسلطانك سلطان، ولم يعيك برهان ولا بيان، أنت الذي أحصيت كل شي‏ء عددا وجعلت لكل شي‏ء أمدا وقدرت كل شي‏ء تقديرا، أنت الذي قصرت الأوهام عن ذاتيتك وعجزت الأفهام عن كيفيتك، ولم تدرك الأبصار موضع أينيتك، أنت الذي لا تحد فتكون محدودا، ولم تمثل فتكون موجودا، ولم تلد فتكون مولودا أنت، الذي لا ضد معك فيعاندك، ولا عدل فيكاثرك، ولا ند لك فيعارضك، أنت الذي ابتدأ واخترع واستحدث، وابتدع وأحسن صنع ما صنع، سبحانك ما أجل شأنك، وأسنى في الأماكن مكانك، وأصدع بالحق فرقانك، سبحانك من لطيف ما ألطفك ورؤوف ما أرأفك، وحكيم ما أعرفك، سبحانك من مليك ما أمنعك وجواد ما أوسعك ورفيع ما أرفعك، ذو البهاء والمجد والكبرياء والحمد، سبحانك بسطت بالخيرات يدك وعرفت الهداية من عندك، فمن التمسك لدين أو دنيا وجدك، سبحانك خضع لك من جرى في علمك، وخشع لعظمتك ما دون عرشك، وانقاد للتسليم لك لعظمتك ما دون عرشك، وانقاد للتسليم لك كل خلقك، سبحانك لا تحس ولا تجس ولا تمس، ولا تكاد وتماط ولا تنازع ولا تجارى، ولا تمارى ولا تخادع ولا تماكر، سبحانك سبيلك جدد وأمرك رشد وأنت حي صمد، سبحانك قولك حكم وقضاؤك حتم وإرادتك عزم، سبحانك لا راد لمشيتك ولا مبدل لكلماتك، سبحانك قاهر الأرباب باهر الآيات فاطر الموات بارى‏ء النسمات، لك الحمد حمداً خالداً بنعمتك، ولك الحمد حمداً يوازي صنعك، ولك الحمد حمداً مع حمد كل حامد، وشكراً يقصر عنه شكر كل شاكر، حمداً لا ينبغي إلا لك ولا يتقرب به إلا إليك، حمداً يتضاعف على كرور الأزمنة ويتزايد أضعافاً مترادفة، حمداً يعجز عن إحصائه الحفظة ويزيد على ما أحصته في كتابك الكَتَبَة، حمداً يوازن عرشك المجيد ويعادل كرسيك الرفيع حمداً يكمل لديك ثوابه ويستغرق كل جزاء جزاؤه، حمداً ظاهره وفق لبطنه وباطنه وفق لصدق النية فيه، حمداً لم يحمدك خلق مثله ولا يعرف أحد سواك فضله، حمداً يعان من اجتهد في تعديده، ويؤيد من أغرق نزعاً في توفيته، حمداً يجمع ما حلقت من الحمد وينتظم ما أنت خالقه من بعد، حمداً لا حمد أقرب إلى قولك منه ولا أحمد ممن يحمدك به، حمداً يوجب بكرمك المزيد بوفوره، وتصله بمزيد بعد مزيد طولا منك، حمداً يجب لكرم وجهك ويقابل عز جلالك، رب صل على محمد وآل محمد المنتجب، المصطفى المكرم المقرب أفضل صلواتك، وبارك عليه أتم بركاتك، وترحم عليه أمتع رحماتك، رب صل على محمد وآله صلاة زاكية لا تكون صلاة أزكى منها، وصل عليه صلاة نامية لا تكون صلاة أنمى منها، رب صل على محمد واله صلاة راضية لا تكون صلاة فوقها، رب صل على محمد وآله صلاة ترضيه وتزيد على رضاك له، وصل عليه صلاة ترضيك وتزيد على رضاك له، وصل عليه صلاة لا ترضى له إلا بها ولا ترى غيره لها أهلاً، رب صل على محمد وآله صلاة تجاوز رضوانك ويتصل اتصالها ببقائك ولا ينفد كما لا تنفد كلماتك، رب صل على محمد وآله صلاة تنتظم صلوات ملائكتك وأنبيائك ورسلك وأهل طاعتك، وتشتمل على صلوات عبادك من جنك وإنسك وأهل إجابتك، وتجتمع على صلاة كل من ذرأت وبرأت من أصناف خلقك، رب صل عليه وآله صلاة تحيط بكل صلاة سالفة ومستأنفة، وصل عليه وعلى آله صلاة مرضية لك ولمن دونك، وتنشى‏ء مع ذلك صلوات تضاعف معها تلك الصلوات عندها، وتزيدها على كرور الأيام زيادة في تضاعف لا يعدها غيرك رب صل على أطائب أهل بيتك الذين اخترتهم لأمرك وجعلتهم خزنة علمك وحفظة دينك وخلفاءك في أرضك وحجتك على عبادك وطهرتهم من الرجس والدنس تطهيرا بإرادتك وجعلتهم الوسيلة إليك والمسلك إلى جنتك رب صل على محمد وآله صلاة تجزل لهم بها من تحفك وكرامتك وتكمل لهم الأشياء من عطاياك ونوافلك وتوفر عليهم الحظ من عوائدك وفوائدك رب صل عليه وعليهم صلاة لا أمد في أولها ولا غاية لأمدها ولا نهاية لآخرها رب صل عليهم زنة عرشك وما دونه وملأ سمواتك وما فوقهن وعدد أرضيك وما تحتهن وما بينهن صلاة تقربهم منك زلفى وتكون لك ولهم رضى ومتصلة بنظائرهن أبداً، اللهم إنك أيدت دينك في كل أوان بأمان أقمته علما لعبادك ومنارا في بلادك بعد أن أوصلت حبله بحبلك وجعلته الذريعة إلى رضوانك وافترضت طاعته وحذرت معصيته وأمرت بامتثال أمره والانتهاء عند نهيه وألا يتقدمه متقدم ولا يتأخره عنه متأخر فهو عصمة اللائذين وكهف المؤمنين وعروة المتمسكين وبهاء العالمين اللهم فأوزع لوليك شكر ما أنعمت به عليه وأوزعنا مثله فيه وآته من لدنك سلطانا نصيرا وافتح له فتحاً يسيراً وأعنه بركنك الأعز واشدد أزره وقو عضده وارعه بعينك واحمه بحفظك وانصره بملائكتك وامدده بجندك الأغلب وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك وسنن رسولك صلوات اللهم عليه واله وأحيي به ما أماته الظالمون من معالم دينك واجل به صدأ الجور عن طريقتك وابن به الضراء من سبيلك وأزل به الناكبين عن صراطك وامحق به بغاء قصدك عوجا وألن جانبه لأوليائك وأبسط يده على أعدائك وهب لنا رأفته ورحمته وتعطفه وتحننه واجعلنا له سامعين مطيعين وفي رضاه ساعين وإلى نصرته والمدافعة عنه مكنفين، وإليك وإلى رسولك صلواتك اللهم عليه وآله بذلك متقربين اللهم وصل على أوليائهم المعترفين بمقامهم المتبعين منهجهم المقتفين آثارهم المستمسكين بولايته المؤتمين بإمامتهم المسلمين لأمرهم المجتهدين في طاعتهم المنتظرين أيامهم المادين إليهم أعينهم الصلوات المباركات الزاكيات الناميات العاديات، وسلم عليهم وعلى أرواحهم واجمع على التقوى أمرهم، وأصلح لهم شؤونهم وتب عليهم إنك أنت التواب الرحيم وخير الغافرين، واجعلنا معهم في دار السلام برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم هذا يوم عرفة يوم شرفته وكرمته وعظمته، نشرت فيه رحمتك ومنن فيه بعفوك، وأجزلت فيه عطيتك وتفضلت به على عبادك، اللهم وأنا عبدك الذي أنعمت عليه قبل خلقك إياه، فجعلته ممن هديته لدينك ووفقته لحقك، وعصمته بحبلك وأدخلته في حزبك وأرشدته لموالاة أوليائك ومعاداة أعدائك، ثم أمرته فلم يأتمر وزجرته فلم ينزجر نهيته عن معصيتك فخالف أمرك إلى نهيك لا معاندة لك ولا استكباراً عليك، بل دعاه هواه إلى ما زيلته وإلى ما حذرته، وأعانه على ذلك عدوك وعدوه فأقدم عليه عارفاً بوعيدك، راجياً لعفوك واثقاً بتجاوزك، وكان أحق عبادك مع ما مننت عليه ألا يفعل، وها أنا ذا بين يديك صاغراً ذليلاً، خاضعاً خاشعاً خائفاً، معترفاً بعظيم من الذنوب تحملته وجليل من الخطايا اجترمته، مستجيراً بصفحك لائذاً برحمتك، موقناً أنه لا يجيرني منك مجير ولا يمنعني منك مانع، فعد علي بما تعود به على من اقترف من تغمدك، وجد علي بما تجود به على من ألقى بيده إليك من عفوك، وامنن علي بما لا يتعاظمك أن تمن به على من أملك من غفرانك، واجعل لي في هذا اليوم نصيباً أنال به حظاً من رضوانك، ولا تردني صفراً مما ينقلب به المتعبدون لك من عبادك، وإني وإن لم أقدم ما قدموه من الصالحات فقد قدمت توحيدك ونفي الأضداد والأنداد والأشباه عنك، وأتيتك من الأبواب التي أمرت أن تؤتى منها وتقربت إليك بما لا يقرب به أحد منك إلا بالتقرب به، ثم اتبعت ذلك بالإنابة إليك والتذلل والاستكانة لك، وحسن الظن بك والثقة بما عندك وشفعته برجائك الذي قل ما يخيب عليه راجيك، وسألتك مسألة الحقير الذليل البائس الفقير الخائف المستجير، ومع ذلك خيفة وتضرعاً وتعوذاً وتلوذاً، لا مستطيلا بتكبر المتكبرين، ولا متعالياً بدالة المطيعين، ولا مستطيلاً بشفاعة الشافعين، وأنا بعد أقل الأقلين وأذل الأذلين ومثل الذرة أو دونها، فيا من لم يعاجل المسيئين، ولا ينده المترفين، ويا من يمن بإقالة العاثرين ويتفضل بإنظار الخاطئين، أنا المسيء المعترف الخاطئ العاثر، أنا الذي أقدم مجترئاً، أنا الذي عصاك متعمداً، أنا الذي استخفى من عبادك وبارزك، أنا الذي لم يرهب سطوتك ولم يخف بأسك، أنا الجاني على نفسه، أنا المرتهن ببليته، أنا القليل الحياء، أنا الطويل العناء، بحق من انتجبت من خلقك وبمن اصطفيته لنفسك، بحق من اخترت من بريتك ومن اجتبيت لشأنك، بحق من وصلت طاعته بطاعتك ومن جعلت معصيته كمعصيتك، بحق من قرنت موالاته بموالاتك ومن نطت معاداته بمعاداتك، تغمدني في يومي هذا بما تتغمد به من جار إليك متنصلاً وعاذ باستغفارك تائباً، وتولني بما تتولى به أهل طاعتك والزلفى لديك والمكانة منك، وتوحدني بما تتوحد به من وفى بعهدك وأتعب نفسه في ذاتك وأجهدها في مرضاتك، ولا تؤاخذني بتفريطي في جنبك وتعدي طوري في حدودك ومجاوزة أحكامك، ولا تستدرجني بإملائك لي استدراج من منعني خير ما عنده ولم يشركك في حلول نعمته بي، ونبهني من رقدة الغافلين وسنة المسرفين ونعسة المخذولين،وخذ بقلبي إلى ما استعملت به القانتين واستعبدت به المتعبدين واستنقذت به المتهاونين، وأعدني مما يباعدني عنك ويحول بيني وبين حظي منك ويصدني عما أحاول لديك، وسهل لي مسلك الخيرات إليك والمسابقة إليها من حيث أمرت والمشاحة فيها على ما أردت، ولا تمحقني فيمن تمحق من المستخفين بما أوعدت، ولا تهلكني مع من تهلك من المتعرضين لمقتك، ولا تتبرني فيمن تتبر من المنحرفين عن سبلك، ونجني من غمرات الفتنة وخلصني من لهوات البلوى، وأجرني من أخذ الإملاء، وحل بيني وبين عدوي يضلني وهوىً يوبقني ومنقصة ترهقني، ولا تعرض عني إعراض من لا ترضى عنه بعد غضبك، ولا تؤنسني من الأمل فيك فيغلب علي القنوط من رحمتك، ولا تمنحني بما لا طاقة لي به، فتبهظني مما تحملنيه من فضل محبتك، ولا ترسلني من يدك إرسال من لا خير فيه ولا حاجة بك إليه ولا إنابة له ولا ترمِ بي رمي من سقط من عين رعايتك ومن اشتمل عليه الخزي من عندك، بل خذ بيدي من سقطة المترددين ووهلة المتعسفين وزلة المغرورين وورطة الهالكين، وعافيني مما ابتليت به طبقات عبيدك وإمائك، وبلغني مبالغ من عنيت به وأنعمت عليه ورضيت عنه فأعشته حميداً وتوفيته سعيداً، وطوقني طوق الإقلاع عما يحبط الحسنات ويذهب بالبركات، واشعر قلبي الازدجار عن قبائح السيئات وفواضح الحوبات، ولا تشغلني بما لا أدركه إلا بك عما لا يرضيك عني غيره، وانزع قلبي حب دنيا دنيةٍ تنهى عما عندك، وتصد عن ابتغاء الوسيلة إليك وتذهل عن التقرب منك، وزين لي التفرد بمناجاتك بالليل والنهار، وهب لي عصمة تدنيني من خشيتك وتقطعني عن ركوب محارمك وتفكني من أسر العظائم، وهب لي التطهير من دنس العصيان وأذهب عني درن الخطايا، وسربلني بسربال عافيتك وردني رداء معافاتك، وجللني سوابغ نعمائك وظاهر لدي فضلك وطولك، وأيدني بتوفيقك وتسديدك وأعني على صالح النية ومرضي القول ومستحسن العمل، ولا تكلني إلى حولي وقوتي دون حولك وقوتك، ولا تخزني يوم تبعثني للقائك، ولا تفضحني بين يدي أوليائك، ولا تنسني ذكرك ولا تذهب عني شكرك، بل ألزمنيه في أحوال السهو عند غفلات الجاهلين لآلائك، وأوزعني أن اثني بما أوليتنيه وأعترف بما أسديته إلي، واجعل رغبتي إليك فوق رغبة الراغبين وحمدي إياك فوق حمد الحامدين، ولا تخذلني عند فاقتي إليك، ولا تهلكني بما أسديته إليك، ولا تجبهني بما جبهت به المعاندين لك، فإني لك مسلم أعلم أن الحجة لك وأنك أولى بالفضل وأعود بالإحسان وأهل التقوى وأهل المغفرة، وأنك بأن تعفو أولى منك بأن تعاقب، وأنك بأن تستر أقرب منك إلى أن تشهر، فأحيني حياة طيبة تنتظم بما أريد وتبلغ ما أحب من حيث، لا آتي ما تكره ولا أرتكب ما نهيت عنه، وأمتني ميتة من يسعى نوره بين يديه وعن يمينه، وذللني بين يديك، وأعزني عند خلقك وضعني إذا خلوت بك، وارفعني بين عبادك وأغنني عمن هو غني عني، وزدني إليك فاقة وفقراً، وأعذني من شماتة الأعداء ومن حلول البلاء ومن الذل والعناء، تغمدني فيما أطلعت عليه مني بما يتغمد به القادر على البطش لولا حلمه، والآخذ على الجريرة لولا أناته، وإذا أردت بقوم فتنة أو سوء فنجني منها لواذاً بك، وإذ لم تقمني مقام فضيحة في دنياك فلا تقمني مثله في آخرتك، واشفع لي أوائل مننك بأواخرها وقديم فوائدك بحوادثها، ولا تمدد لي مداً يقسو معه قلبي، ولا تقرعني قارعة يذهب لها بهائي، ولا تسمني خسيسة يصغر لها قدري، ولا نقيصةً يجهل من أجلها مكاني، ولا ترعني روعة أبلس بها ولا خيفة أوجس دونها، اجعل هيبتي في وعيدك وحذري من إعذارك وإنذارك، ورهبتي عند تلاوة آياتك، واعمر ليلي بإبقاظي في لعبادتك وتفردي بالتهجد لك، وتجردي بسكوني إليك وإنزال حوائجي بك ومنازلتي إياك في فكاك رقبتي من نارك، وإجارتي مما فيه أهلها من عذابك، ولا تذرني في طغياني عامها ولا في غمرتي ساهياً حتى حين، ولا تجعلني عظة لمن اتعظ ولا نكالاً لمن اعتبر ولا فتنة لمن نظر، ولا تمكر بي فيمن تمكر به، ولا تستبدل بي غيري، ولا تغير لي إسماً ولا تبدل لي جسماً، ولا تتخذني هزؤاً لخلقك ولا سخرياً لك، ولا تبعاً إلا لمرضاتك ولا ممتهناً إلا بالانتقام لك، وأوجدني برد عفوك حلاوة ورحمتك وروحك وريحانك وجنة نعيمك، وأذقني طعم الفراغ لما تحب بسعةٍ من سعتك والاجتهاد فيما يزلف لديك وعنك، وأتحفني بتحفةٍ من تحفاتك واجعل تجارتي رابحة وكرتي غير خاسرة، وأخفني مقامك وشوقني لقاءك، وتب علي توبة نصوحاً لا تبقِ معها ذنوباً صغيرة ولا كبيرة، ولا تذر معها علانية ولا سريرة، وانزع الغل من صدري للمؤمنين وأعطف بقلبي على الخاشعين، وكن لي كما تكون للصالحين، وحلِّني حلية المتقين، واجعل لي لسان صدق في الغابرين، وذكراً نامياً في الآخرين، وواف بي عَرْصَةَ الأولين وتمم سبوغ نعمتك علي وظاهر كراماتها لدي، املأ من فوائدك يدي وسق كرائم مواهبك إليّ‏َ، وجاور بي الطيبين من أوليائك في الجنان التي زينتها لأصفيائك، وجللني شرائف نحلك في المقامات المعدة لأحبائك، واجعل لي عند مقيلاً أوى إليه مطمئناً، ومثابةً أتبوؤها وأقر عيناً، ولا تقايسني عظيمات الجزائر، ولا تهلكني يوم تبلى السرائر، وأزل عني كل شك وشبهةٍ، واجعل لي في الحق طريقاً من كل رحمة، وأجزل لي قسم المواهب من نوالك، ووفر علي حظوظ الإحسان من إفضالك، واجعل قلبي واثقاً بما عندك وهمي مستفرغاً لما هو لك، واستعملني بما تستعمل به خالصتك، وأشرب قلبي عند ذهول العقول طاعتك، واجمع لي الغنى والعفاف والدعة، والمعافاة والصحة والسعة، والطمأنينة والعافية، ولا تحبط حسناتي بما يشوبها من معصيتك، ولا خلواتي بما يعرض لي من نزعات فتنتك، وصن وجهي عن الطلب إلى أحدٍ من العالمين وبني عن التماس ما عند الفاسقين، ولا تجعلني للظالمين ظهيراً، ولا لهم على محو كتابك يداً ونصيراً، وحطني من حيث لا أعلم حياطة تقيني بها، وافتح أبواب توبتك ورحمتك ورأفتك ورزقك الواسع، إني إليك من الراغبين، وأتمم لي إنعامك إنك خير المنعمين، واجعل باقي عمري في الحج والعمرة ابتغاء وجهك يا رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، والسلام عليه وعليهم أبد الابدين.


  

تاريخ بناء الحرمين باختصار

 قال الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ).

الكعبة:

هي أول بيت وضعه الله للناس مباركاً وهدى، وأقدم معبد مقدس في الشرق الأوسط، فلقد بناه إبراهيم جد الأنبياء، وولده إسماعيل: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127).

وكان إسماعيل يجي‏ء بالأحجار، وإبراهيم يبنيها، حتى إذا ارتفع البناء إلى قامة الرجل جي‏ء بالحجر الأسود، ووضع مكانه.

وتذهب الروايات إلى أن البيت العتيق كان حين بناه إبراهيم في علو تسعة أذرع، وفي مساحة تبلغ عشرين ذراعاً في ثلاثين، وأنه قد كان له بابان، ولم يكن عليه سقف.

أما الحجر الأسود فقيل: إن جبريل أتى به من السماء، وقيل: بل صحبه ادم معه من الجنة حين هبط إلى الأرض، وأنه كان أبيض ناصعاً، فاسود من خطايا الناس، وقيل غير ذلك.

أما نحن فما علينا من بأس إذا لم نؤمن بواحد من هذه الأقوال، وما إليها ولسنا مكلفين بالبحث عن صدقها، ولا بمعرفة مصدر الحجر وسببه، أجل إننا نقدسه وكفى، لأن رسول الله (ص) كان يقدسه، ويعظمه وإذا سئلنا عن سر تقديس النبي لهذا الحجر قلنا: الله ورسوله أعلم.

وأيضاً ذهب بعض الروايات إلى أن الكعبة بقيت على بناء إبراهيم وإسماعيل(ع) إلى أن جدد بناءها قصي بن كلاب الجد الخامس للرسول الأعظم (ص).

وإنها بقيت على بناء قصي، حتى بلغ النبي الخامسة والثلاثين من عمره الشريف، فجاء سيل عظيم، فأخذ جدران الكعبة فيما أخذ، فجددت قريش بناءها، ولما ارتفع البناء إلى قامة الرجل، وان أن يوضع الحجر الأسود في مكانه اختلفت القبائل: أيها يكون لها فخار وضعه؟ وكادت الحرب أن تشب لولا حكموا محمداً (ص).

فنشر ثوبه، وأخذ الحجر بيده، ووضعه فيه، ثم قال: ليأخذ كبير كل قبيلة بطرف، وحملوه جميعاً، حتى إذا حاذى الموضع تناوله محمد بيده ووضعه في موضعه.

صلى الله عليك يا رسول الرحمة.. رفعته بيدك الشريفة أولاً من الأرض، ثم وضعته بيدك ثانية في موضعه، وأرضيت الله والناس، وكان هذا منك دليلاً قاطعاً على أنك فوق الجميع، وأنك رحمة للعالمين قبل الرسالة وبعدها، وإشارة صريحة بالغة إلى أنك أهل للرسالة الإلهية، وإن الذين كذبوك معاندون وجاحدون للحق والإنسانية.

وبقيت الكعبة على هذا البناء، حتى آل الحكم إلى يزيد بن معاوية، وحتى نازعه ابن الزبير ملك الحجاز، فنصب يزيد المنجنيق على جبال مكة، ورمى الكعبة بعشرة آلاف حجر، فشب فيها الحريق، وانتهى الأمر إلى هدمها، فأعاد بناءها ابن الزبير على ما كانت عليه من قبل بدون تعديل، ونصب حولها سياجاً من خشب.

ولما آل الأمر إلى عبد الملك بن مروان حاصر الحجاجُ ابن الزبير، وقتله بعد أن كان قد هدم شيئاً من الكعبة... وأعاد الحجاج بناء ما انهدم، أو تصدع، وغير جدار الكعبة عما كان عليه، وسد أحد أبوابها، وهو الباب الغربي.

وبقيت الكعبة على تعديل الحجاج، حتى سنة 1040هـ، فهطل مطر هتون أودى بجدران الكعبة، فأجمع المسلمون في كل مكان على بنائها، وجمعوا التبرعات من شتى الأقطار الإسلامية وأعادوها على الحال التي هي عليها الآن. 

مسجد الرسول (ص):

دخل رسول الله (ص) المدينة مهاجراً إليها من مكة، ولا شي‏ء له فيها، فبنى أول ما بنى المسجد، ثم بنى له بيتاً بجواره، وكان المسجد 35 متراً في 30 متر، ثم زاده الرسول وجعله 75 في 50 متراً.

ولم يكن في المسجد منبر حين البناء، فكان إذا خطب استند إلى جذع نخلة كان عماداً من عمد المسجد، ثم صنع له أصحابه منبراً من الخشب بدرجتين.

ولما تولى عمر بن الخطاب زاد فيه 5 أمتار من الناحية الجنوبية، ومثلها من الناحية الغربية، و15 متراً من الناحية الشمالية، وترك الناحية الشرقية، لأن فيها بيوت أزواج الرسول (ص).

وحين تولى عثمان بن عفان، هدم المسجد وزاد فيه على نحو زيادة عمر تاركاً لأزواج النبي (ص) بيوتهن، وبقي على بناء عثمان حتى جاء الوليد بن عبد الملك فهدمه، وزاد فيه من كل الجهات، وأدخل فيه بيوت أزواج الرسول، ومنها بيت عائشة، فصار القبر الشريف ضمن المسجد.

وبقي بناء الوليد قائماً إلى سنة 266هـ، فزاد فيه المهدي العباسي من الناحية الشمالية زيادة كبيرة، وظل على هذه الزيادة إلى سنة 654هـ فاحترق، وأكلت النيران المنبر النبوي والأبواب وغيرها، وسقط السقف.

وبعد ست سنوات تولى الظاهر بيبرس أمر البناء، ورجع المسجد كما كان قبل الحريق.

وفي سنة 886هـ انقضت صاعقة على المسجد فهدمته ولم تبقَ منه سوى الحجرة النبوية، وقبة بصحن المسجد.

فأعاد بناءه الملك الأشرف على صورة أحسن مما كان عليه قبل الحريق.

وفي القرن العاشر الهجري رممه السلطان سليم العثماني، وشيد فيه محراباً لا يزال قائماً إلى اليوم، ويقع غربي المنبر النبوي.

وفي القرن الثالث الهجري بنى فيه السلطان محمود العثماني القبة الخضراء.

وفي أواخر هذا القرن احتاج المسجد إلى العمارة، فأمر السلطان العثماني بذلك، وكان المهندسون يهدمون جزءاً من المسجد، ويقيمون ما يحل محله، ثم يهدمون بعده جزءاً آخر، ويقيمون مكانه، حتى تمت عمارته سنة 1277هـ.

وصلّ‏ِ اللهم على محمد وأهله الطيبين الطاهرين، وعرف بيننا وبينهم، وارزقنا شفاعتهم يوم نلقاك، يا مبدل السيئات بأضعافها من الحسنات... إنك ذو الفضل العظيم.




 

الهوامش:

(1) صحيح البخاري، الجزء 2، الصفحة 309.

(2) صحيح مسلم، الجزء 4، الصفحة 107.

(3) سنن ابن ماجة، الجزء 2، الصفحة 966.

(4) تحف العقول، الصفحة 149.

(5) مستدرك الوسائل، الجزء 8، الصفحة 49.

(6) أمالي الطوسي، الصفحة 296.

(7) الكافي، الجزء 4، الصفحة 263.

(8) منسك السيد الحكيم والسيد الخوئي.

(9) أجاز الإمامية والشافعية والمالكية الإجارة على الحج، ومنعها الحنفية والحنابلة قالوا: ما يدفع للأجير من المال هو للارتزاق، ونفقة الطريق.

(10) الصرورة هو الذي لم يحج، وقال الشافعية والحنابلة: إذا شرع الصرورة عن غيره صار الحج عنه. وقال المالكية والحنفية والإمامية: بل يقع حجه على ما نواه.

(11) المراد بأهل الشام (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن) وقد تغير الطرق عما كانت، قال السيد الحكيم: إن المسافر بالطائرة لا يجب عليه الإحرام إذا مر فوق الميقات، وإذا هبط في جدة أحرم من الحديبية، وله أن يحرم من جدة مع النذر.

(12) أجاز السيد الحكيم والسيد الخوئي نذر الإحرام قبل الميقات.

(13) وسوق الهدي عند الحنفية يقوم مقام التلبية، كما جاء في ابن عابدين وفتح القدير.

(14) معنى الإشعار أن يشق الجانب الأيمن من سنام البدنة، أي الناقة، والتقليد أن يجعل في عنق الهدي نعلاً بالية، ليعرف بها أنه هدي.

(15) إذا رمى الجمرة وحلق يحل للمحرم أشياء مما كانت محرمة عليه، كلبس المخيط ونحوه، وهذا هو الحل الأول ولكن لم تحل له النساء والطيب. وإذا طاف الطواف الأخير حل له كل شيء حتى النساء، وهذا هو الحل الثاني ويأتي التفصيل.

(16)  قال في التذكرة: ينبغي أن يكون التفريق في حج القضاء من المكان الذي أحدثا فيه ما أحدثا، في الحجة الأولى، ومعنى التفريق أن لا يخلوا بنفسيهما، ومتى اجتمعا كان معهما ثالث محرم، لأن وجوده يمنع من الإقدام على المواقعة.

(17) قال الإمامية: إذا قلم يديه ورجليه فشاة مع اتحاد المجلس، وإن تعدد فشاتان، وفي تقليم كل ظفر مد من طعام، والمد يقرب من 800 غرام.

(18) نقل صاحب التذكرة عن أبي حنيفة عدم جواز الاستظلال حال السير، ونقل عنه صاحب «رحمة الأمة» الجواز.

(19) جاء في كتاب المغني: أن أهل العلم بالمدينة لا يعرفون بها ثوراً ولا عيراً، وغير بعيد أن تتغير الأسماء بمرور الزمن.

(20) قال صاحب الحدائق يبطل بتركه عمداً، ويجب قضاؤه لو تركه سهواً.

(21) قال ابن رشد في كتابه البداية: أجمعوا على أن المتمتع بالعمرة إلى الحج عليه طوافان، أما المفرد فطواف واحد، واختلفوا في القارن. فقال الشافعي وأحمد ومالك: عليه واحد، وقال أبو حنيفة: بل اثنان.

(22) جاء في فقه الإمامية: أن الجنب والحائض لا يجوز لهما المرور والاستطراق في المسجد الحرام، ولا في مسجد الرسول (ص) فضلاً عن المكث، ويجوز لهما أن يستطرقا ولا يمكثا في غير الحرمين الشريفين من المساجد، وبهذا تعرف الدس والافتراء على الإمامية، حيث نسب إليهم أنهم يذهبون إلى الحرم الشريف بقصد تلويثه.

(23) الرمل في المشي، هو الإسراع مع تقارب الخطى دون الوثوب والعدو، وجاء في كتاب (اللمعة) للإمامية أن الرمل مستحب في الأشواط الثلاثة الأول في طواف القدوم، تماماً كما هي عند الجمهور.

(24) حجر إسماعيل بن إبراهيم كان بيتاً له، وفيه قبر أمه، وجاء في الجواهر أن الإمام سئل عن حجر إسماعيل، فقال: إنكم تسمونه الحطيم، وإنما كان لغنم إسماعيل فدفن أمه فيه، إنه كره أن توطأ فحجر عليه.

(25) وهو جعل وسط الرداء تحت الإبط الأيمن، وطرفيه على الكتف الأيسر، وفي كتاب الفقه على المذاهب الأربعة نسب استحباب الاضطباع إلى الحنفية والشافعية والحنابلة ولم ينبه إلى المالكية.

(26) الصفا والمروة مكانان صخريان مرتفعان بعض الشي‏ء.

(27) نقل صاحب الميزان عن أبي حنيفة أنه لا حرج في العكس، فللساعي أن يبدأ بالمروة ويختم بالصفا.

(28) جاء في منسك السيد الحكيم: لا تعتبر الموالاة في أشواط السعي فيجوز الفصل بينهما، والقطع، ثم البناء على ما سبق، ولو كان بعد شوط واحد.

بعض الإمامية أوجب الموالاة العرفية بين الأشواط على الأحوط وجوباً، وعند الإمام الخامنائي: لا اعتبار للموالاة في غير الشوط الأول.

(29) قال الشيخ عبد المتعال الصعيدي: هذا الترتيب يجب في أفعال العمرة، أما في أعمال الحج فإنه لا ترتيب بين الطواف والحلق، ولا بين السعي والوقوف بعرفة. (الفقه المصور على مذهب الشافعي).

(30) استدل الإمامية بفعل النبي (ص) على جواز الجمع، حيث قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي، والجمع مرة أو في مكان خاص يستدعي جوازه كل مرة وفي كل مكان إلا أن يرد نص على أنه مختص وغير شامل، ولا نص على التخصيص، فيكون الجمع جائزاً إطلاقاً في كل زمان ومكان.

(31) إن المشعر اليوم هو مسجد عظيم مرتفع عن الأرض، محاط بسور صخري صغير، وفي وسطه مئذنة فخمة.

(32) اختلفوا في أيام التشريق: هل هي ثلاثة، أو يومان؟ أما سبب تسميتها بذلك فلأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، أي يقددونها ويبرزونها للشمس.

(33) قدمنا أن فرض المكي عند الإمامية القران أو الإفراد، وعند غيرهم مخير بين أنواع الحج الثلاثة.

(34) سورة البقرة، الآية 196.

(35) وسائل الشيعة، الجزء 10، الصفحة 144.

(36) لقد أصبح سنة 1963 شيخ الأزهر، وكان يومذاك عضواً في جماعة كبار العلماء.

(37) الذي رد على رسالة شيخ الأزهر شلتوت، هو الشيخ محمد جواد مغنية رحمهما الله تعالى.

(38) وسائل الشيعة، الجزء 10، الصفحة 174.

(39) الحذف أن يضع الحصاة على باطن الإبهام، ويدفعها بظاهر السبابة.

(40) قال السيد الحكيم: ينبغي أن يرمي الثالثة مستدبراً القبلة، جاء في المغني يرميها مستقبلاً الكعبة.

(41) التلبية واجبة عند الإمامية، والحنفية والمالكية، ومستحبة عند الحنابلة. أما وقتها فعند الشروع بالإحرام.

(42) الإمامية يوجبون حج التمتع على غير المكي، أما المكي فيخيرونه بين القران والإفراد. والمذاهب الأربعة لا تفرق بين المكي وغيره في أن يختار أي نوع شاء من أنواع الحج سوى أن أبا حنيفة كره للمكي حج التمتع والقران.

(43) طواف القدوم مستحب عند الجميع إلا مالكاً فقد ذهب إلى وجوبه.

(44) يجب الوقوف بعرفة في جميع الوقت المحدد عند الإمامية. وتكفي ولو لحظة منه عند غيرهم. وأجمعت المذاهب على استحباب الجمع بين الصلاتين، لأن النبي (ص) جمع بعرفة. 

(45) الحديث الشريف: (الصلاة في مسجد قبا تعدل عمرة) وكان الرسول (ص) يأتي إلى مسجد قبا مشياً وراكباً كل خميس وفي رواية أو سبت ليصلي فيه.

(46) وزوجات النبي (ص) الطاهرات وقبر عثمان بن عفان وحليمة السعدية مرضعة الرسول (ص) وسائر الصحابة والصالحين. اللهم أحشرنا معهم يوم الدين.