كتاب سنة الاعتكاف

طبقاً للمذاهب الخمسة

 الصفحة الرئيسية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على إمام المتقين وخاتم النبيين أبي القاسم محمد، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، والتابعين لهم بإحسان إلى عقبى الدار.

أما بعد: فأخي المسلم أختي المسلمة.

هناك سنن ومستحبات متعددة في الشرع الحنيف لها أنوارها وفيوضاتها الربانية غفل عنها المسلمون وتركوا العمل بها ففقدوا فوائدها وثمارها، فأصابهم الران على قلوبهم وكادوا أن يضيعوا أساسيات الشريعة وأركان الدين.

من أجل هذا كان علينا لزاماً أن نعود لنحيي فينا النوافل والمستحبات «وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه» حديث قدسي.

ومن هذه المستحبات التي يلزمنا أن نعيش فيها: سنة الاعتكاف التي نتفرغ فيها إلى عبادة الله والانقطاع إليه في عملية تنسك يخلو المؤمن فيها مع ربه في أشرف البقاع وأطهرها وهي المساجد والجوامع مراكز العبادة والقرب من الله، ولقد كان فضل الله علينا عظيماً وهدي سيدنا أبي الزهراء صلى الله عليه وآله وسلم سليماً وحكيماً حينما يسر أمر الاعتكاف في الزمان والمكان فيمكن للمسن أن يختار ما يتناسب مع إمكاناته وظروفه وكذلك الطالب والموظف والعامل وغيرهم أن يختاروا أجزاء من إجازتهم في الأوقات الشريفة كالعشر الأواخر من رمضان حيث كان يعتكف خلالها الحبيب الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتظهر قيمة هذه العبادة في أحلى صورها وأبهى حللها، وتعطي الثمرات الطيبة من غذاء للروح واتصال بالله وشد العزائم خصوصاً في هذه الأوقات الحرجة من تاريخ أمتنا التي تجابه الكفر بأجمعه عَدده وعُدده من فلسطين إلى أفغانستان إلى كل مكان.

إننا بحاجة إلى إحياء السنن والمستحبات في أنفسنا وأمتنا كي نقتدي بالنبي الأعظم وأهل بيته وأصحابه والأئمة القادة الأمناء وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

اللجنة الثقافية في تجمع العلماء المسلمين في لبنان



 

لا بد في البداية أن نتعرف على أصل معنى كلمة الاعتكاف في اللغة العربية، فنقول هي: الإقامة(1) على الأمر وملازمته على سبيل التعظيم(2) وعدم الانصراف عنه(3)، والمعاني الأخرى مثل كلمة اللبث والمكث ولزوم الشيء وغيرها كلها مفردات لها المدلول نفسه في اللغة العربية، فمن هذا المعنى اللغوي اشتق الفقهاء المعنى الفقهي فجاء معناه:

المكث في المسجد والإقامة فيه على سبيل التقرب إلى الله تعالى من شخص مخصوص بصفة مخصوصة.

وهذا يكون على مدار السنة، وأفضل أوقاته شهر رمضان المبارك وقد اختص النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشر الأواخر من شهر رمضان لاعتكافه الشريف. فيلزم المعتكف نفسه بالبقاء في المسجد ويمنعها من الخروج منه طيلة اعتكافه.

وقد استدل أهل العلم على استحباب الاعتكاف من الآيات البينات الواردة في القرآن الكريم ضمن سرد ممدوح ومحمود للمعتكفين فجاء في سورة البقرة قول ربنا تبارك وتعالى مخاطباً نبييه ابراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم:   ﴿أن طهرا بيتي للطائفين وقال ربنا تبارك وتعالى كذلك في سورة البقرة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، وقد جاء في سورة الحج قوله تعالى: ﴿والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء. وقد جاءت الآثار الشريفة والأحاديث النبوية الكريمة بأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، واعتكف معه ثم من بعده أهل بيته وأصحابه والأئمة والصالحون إلى وقتنا المعاصر، فاتفق أهل العلم على استحباب الاعتكاف وأنه من سنن الهدى وقد يجب لعارض كما لو نذر أن يعتكف.

فالمقصود من الاعتكاف إقامة القلب إلى جانب الجسد وانقطاعه عما سوى الله تبارك وتعالى والخلوة به وعدم الانشغال بالخلق والاشتغال بذكره تبارك وتعالى وحده حيث يصير الذكر والدعاء والحب والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته الدنيوية فاستولى الحب على الهموم وكان عوضاً عنها.

فالاعتكاف وحقيقته قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال، فمثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه ويقول لا أبرح حتى تقضي حاجتي، وكذلك المعتكف يجلس في بيت الله فيقول لا أبرح حتى يغفر لي.

إذن فالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان مسنون وهو مستحب في باقي الأيام، وقد يكون واجباً لعارض كما مر معنا.

وهناك آراء لأهل العلم متعددة في مكان الاعتكاف، فالبعض يراه في أماكن مخصوصة كالمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف ومسجد الكوفة والبصرة والمسجد الجامع لكل بلدة(4). ويفهم من هذا حصر الاعتكاف في المساجد الجامعة، ويرى البعض(5) إلى جانب المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى جواز الاعتكاف في كل مسجد له إمام ومؤذن فإنه يعتكف فيه فلا يشترطون المسجد الجامع. وأما الذين يقولون بفرضية صلاة الجماعة(6) اشترطوا بالمسجد الذي يعتكف فيه أن تقوم به صلاة الجماعة لئلا يفضي بالمعتكف إلى تكرار الخروج من المسجد لأداء صلاة الجماعة وهذا مناف عندهم للاعتكاف. واتفقوا جميعاً على أن أفضل الاعتكاف إنما يكون بالمساجد الثلاثة الحرام والنبوي الشريف والأقصى في بيت المقدس.

إننا نلاحظ اتفاق جميع الفقهاء على أن الاعتكاف يكون بداية بالمسجد الجامع لكل بلدة ووقع الاجتهاد بمساجد الأحياء الصغيرة حتى قال بعض الفقهاء بجواز الاعتكاف فيها.

وأما النساء من الأفضل أن تعتكف المرأة في موضع الصلاة من بيتها لأنها معرضة للأعذار، وإن كانت خالية من العذر(7) فلا بأس أن تعتكف بالمسجد إن كان فيه مكان مخصص للنساء.

والصوم خلال الاعتكاف شرط لصحة الاعتكاف عند جماعة من الفقهاء(8)، وقال البعض(9) بجوازه بدون الصوم لأن الاعتكاف عندهم عبادة مستقلة.

مدة الاعتكاف:

يسنّ الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وللمعتكف أن يعتكف أكثر من عشر أيام إن أحب، فإن لم يتمكن بعشرة أيام له أن يعتكف أقل من ذلك، كثلاثة أيام ولياليها(10) مثلاً. ويمكن أن يعتكف بيوم وليلة(11)، ويصح عند البعض لساعة من نهار.

شروط الاعتكاف:

ممكن لأي إنسان أن يدخل المسجد باحترام وتقدير ولكن لا نستطيع أن نقول عنه أنه معتكف إلا إن التزم بالشروط الآتية وهي:

1-                  إن أي عمل إذا أريد القيام به لنجاحه أن يكون عامله مؤمناً به، لذلك يشترط للمعتكف أن يكون عاقلاً مؤمناً بالإسلام الذي شرع هذه العبادة وهي مختلفة عن الرهبانية بكثير من الوجوه ولا مجال لذكرها هنا.

2-                  نية الاعتكاف: تصح الإقامة في المسجد وانتظار الصلاة والتدارس فيه بالأمور المشروعة المباحة أو المفروضة ولكن لا يطلق على هذه الإقامة لفظ الاعتكاف إلا بالنية، ولا بد لصاحب النية أن يكون عاقلاً مكلفاً وواعياً لما يقول.

3-                  يصح للرجل أن يقيم في بيته على أموره وحاجاته وعباداته ولكننا لا نستطيع أن نعتبره معتكفاً اعتكافاً شرعياً حيث لا تكون هذه العبادة إلا بالمساجد كما قال الله تبارك وتعالى ﴿وأنتم عاكفون في المساجد.

4-                  ويستحب المحافظة على الوضوء ما دام معتكفاً، فإن حدثت له جنابة غير مقصودة ولزم الاغتسال منها يجب المسارعة بالطهارة وإسقاط الجنابة بأقرب مكان إليه وإلا فإن الاعتكاف يفسده عدم الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر حيث إن الطهارة شرط في صحة الاعتكاف. لذلك لا يجوز للجنب أو الحائض أو النفساء الإقامة بالمسجد أو الدخول إليه.

5-                  الصيام عند من يرى(12) أنه لا اعتكاف صحيح بدون الصيام.

6-                  الالتزام بالمدة المحددة ووجوب اللبث في المسجد كما سبق حيث اشترط ذلك بعض الفقهاء كما سبق معنا.

أعمال المعتكف:

ويقضي المعتكف وقته في العبادة من صلاة وذكر وفكر ودعاء وصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقراءة للقرآن وبكاء ولا بأس أن يشتغل بالعلم درساً وتدريساً، فالمعتكف مقيم في بيت من بيوت الله والاعتكاف مقصود به الانقطاع إلى الله كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا.

ويقوم بكل أمر يقرب من الله تعالى. ويبتعد المعتكف عن كل أمر من أمور الدنيا فلا يشغل نفسه بما لا يعنيه وقد جاء عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ولا يعني هذا أن يلتزم الصمت معتبراً أن في ذلك تقرباً إلى الله فالاعتكاف هو حركة النفس والذات لعروجها إلى عالم الخلود والكمال والرقي والنور، ولا يعني أنه الكسل والخمول.

مفسدات الاعتكاف:

1-                  الخروج من المسجد بدون مسوغ ولا حاجة.

2-                  الإغماء والجنون والردة عن الإسلام.

3-                  الجماع ودواعيه، وفيما يخص الرجال إنزال المني بوجه من وجوه الشهوة المقصودة، وفيما يخص النساء الحيض والنفاس حيث لا يجوز لهما دخول المسجد ويلزمهما أن يخرجا منه.

4-                  الأكل أو الشرب أو الإفطار مطلقاً في النهار عند من يشترط الصيام للمعتكف.

5-                  البيع والشراء خلال الاعتكاف لغير ضرورة شخصية للمعتكف كشراء طعام وشراب لمن لم يجد من يطعمه(13).

6-                  شم الطيب والريحان مع التلذذ عند السادة الإمامية، وكذا المماراة في أمر ديني أو دنيوي يقصد به التغلب على الغير لا بداعي إظهار الحق بل لإثبات الشخصية الذاتية. وكذا الوقوع في أية كبيرة من الكبائر أعاذنا الله وإياكم منها.

وأخيراً نتوجه إلى الأخوة والأحباب وأبناء الأمة بالمحبة والتقدير ولنتعاون على إحياء هذه السُّنة المباركة وجميع المستحبات والسنن والواجبات التي تعيدنا إلى أجواء عصر النبوة والسلف الصالح الذين عرفوا قيمة الأعمال الطاهرة فأقاموها وحققوا في أنفسهم ومجتمعاتهم أهداف الرسالة وتعاليم الأنبياء.

وإلى رسالة أخرى

نستودعكم الله

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اللجنة الثقافية

تجمع العلماء المسلمين في لبنان


المراجع:

1- لسان العرب ج 9، ص 255.

2- مفردات ألفاظ القرآن الكريم ص 579.

3- معجم مقاييس اللغة ج 3، ص 108.

4- السادة الإمامية وهو أيضاً قول للإمام مالك.

5- السادة الأحناف والشافعية.

6- السادة الحنابلة.

7- أي حيض أو نفاس أو غير ذلك.

8- وهذا عند السادة الأحناف والإمامية والمالكية.

9- السادة الشافعية والحنابلة.

10- فلا يصح عند الإمامية الاعتكاف لأقل من ذلك. وكذلك هي رواية عن الإمام مالك.

11- وهذا قول الإمام أبي حنيفة ولا يجوز أقل من ذلك.

12- الإمام أبو حنيفة والإمامية والإمام مالك.

13- هذا عند السادة الأحناف والحنابلة والإمامية على الأحوط وجوباً.

 

أعلى الصفحة