|
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ
الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ
تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ
غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
(التوبة:3)
يشرفني باسم تجمع العلماء المسلمين أن أفتتحَ هذا المؤتمرَ المباركَ تحت
عنوانِ "الحجُّ عتبةُ الوحدةِ الإسلامية" وأن نستقبل فيه علماءَ أعلاماً من
روَّادِ الفكرِ الإسلامي خصوصاً الأخوةَ في منتدى الوحدةِ الإسلامية في
لندن.
وقد اخترنا الحجَّ كعنوانٍ للقائنا هذا، وذلك لما يتضمنُهُ هذا العنوان من
رموز ومعانٍ للوحدة الإسلامية.. فهو يومٌ يجتمعُ فيه المسلمونَ كافةً على
اختلافِ أعراقِهِم وألوانِهم وقومياتِهم ولغاتهم على صعيدٍ واحد.. ويتوجهون
إلى إله واحدٍ في يوم واحدٍ ويطوفون حول كعبةٍ واحدةٍ ويصلون صلاةً واحدةً
بإمامةِ إمامٍ واحد.. كل هذه العناوين تؤكِّدُ على أن هذا الدينَ وهذه
الأمةَ دينٌ وأمةٌ واحدةٌ كما أراد الله أن تكون. وإن كلَّ من يسعى لتفريق
هذه الأمةِ وهذا الدينِ يكون مخالفاً لإرادةِ الله عزَّ وجلَّ ولن يُوَّفَقَ
لذلك بإذن الله.
أيها الأخوةُ.. إن عنوانَ البراءةِ من المشركين الذي تتحدث عنه الآيةُ
السابقةُ هو أصلٌ من أصول الحج المبارك، بحيث لا يستقيم أمرُ حجٍّ من دونه
ولذلك دعا الإمامُ الخمينيُّ قدس سره إلى ضرورةِ أن يُعْلِنَ المسلمون ذلك
في يوم الحج وأن يكون هذا الموسمُ مناسبةً لإعلانِ البراءةِ من كلِّ
المشركين وعلى رأسهم الشيطانُ الأكبرُ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ
والكيانُ الصهيونيُّ. وإن محاولة إبعادِ الحجِّ عن العناوينِ السياسيةِ
وحصره بممارسةِ الطقوس التعبُّدية فقط هو إخراجٌ للحج عن مفهومِه الصحيح
الذي شُرِّعَ لأجله لأن العنوانَ السياسيَّ والجهاديَّ الثوريَّ هو جزءٌ
مقوِّمٌ لهذا التشريع المقدس فقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ
وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ
اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم" (المائدة:97)، ومعنى أن تكون الكعبةُ والبيتُ
الحرامُ قياماً للناس هو أن يكون هذا المكانُ وهذا التشريعُ سبباً لقيام
الناسِ، والذي يعني نهوضَهم وثورتَهم في وجه كلِّ ظلمٍ وطغيان.
إن ما تعانيه أمتُنا الإسلاميةُ اليومَ من صنوفِ الظلمِ والطغيانِ من خلالِ
القهر والاحتلال ومصادرة الثروات والهيمنة على القرارات وانعدامِ السيادةِ
الوطنية لصالح التبعية للاستعمار والطاغوت الأمريكي يفرضُ علينا أن نستخدم
كل مقوِّماتِ الدينِ فنستفيدَ منها لاسترجاعِ كرامتِنا وسيادتِنا وعزَّتِنا..
وهذا لا يكونُ إلا من خلالِ إعطاءِ هذه المفاهيمِ وتلك الأحكامِ البُعدَ
الذي أرادَهُ الله عزَّ وجلَّ لها. وإن ما يحصلُ اليومَ من خلال القيام
بهذا التكليف على هذا النحو ينبغي أن يتغير لصالحِ الحجِّ الأصيل الذي هو
سببُ قيامِ المسلمينَ وتحقيقِ سيادتِهم.
أيها السادةُ الأعلامُ
أغتنم هذه الفرصةَ المباركةَ وهذا الجمعَ الكريمَ لأَلفِتَ إلى مسألةٍ هامةٍ
وهي الخطرُ الذي تتعرضُ له الوحدةُ الإسلاميةُ في هذه المرحلةِ التاريخيةِ
الهامةِ من تاريخ أمتنا الإسلامية. وإن ما يجري اليومَ هو أن الولاياتِ
المتحدةَ الأمريكيةَ والكيانَ الصهيونيَّ قد أُلحقت بهما ـ بفضل المقاومة
الإسلامية في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان ـ هزائمُ منكرةٌ بحيث باتت
مصالحُهم في خطرٍ وبات المسلمون يعيشون على واقع أنه يمكنُ بقوةِ الإيمانِ
هزيمةُ المحتل مهما بلغت قوتُه وإمكاناتُهُ. إلا أنهما لن يسكتا على هذه
الهزيمةِ وسيعملان للردِّ عليها بكل الوسائل وأهمُّها السعيُ للفتنةِ بين
المسلمين وخصوصاً الفتنةُ بين السنة والشيعة، واستثارةُ النزعاتِ العرقيةَ
بين القومياتِ والأعراقِ المختلفةِ سواءٌ بين التركِ والعربِ أو بين العربِ
والفُرسِ أو بين الأكرادِ والعرَبْ وفي كل موردٍ يوجد فيه تباينٌ عرقيٌّ.
إن هذه الهجمةَ لا يجوز أن تُقابَلَ باللامبالاة والإعراضِ بل لا بد من
مواجهتها بخطةٍ عصريةٍ تُجهِضُها في مهدِها.. ولكننا للأسفِ نرى اليومَ أنَّ
بعضاً ممن نحترمُ من علماءِ هذه الأمةِ ومفكريها قد وقعوا من حيث يدرون أو
لا يدرون فريسةً لهذه الهجمةِ وانساقوا فيها بدلاً من مواجهتِها ومعالجةِ
المشكلاتِ الداخليةَ في جسدِ الأمةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ من خلال
النصيحةِ في داخلِ الجسمِ الواحدِ على قاعدةِ أنَّ من نَصَحَ أخاه سراً فقد
زانَه ومن نَصَحَ أخاهُ علناً فقد شَانَهُ.
إن هذا المؤتمرَ الكريمَ هو خطوةٌ صغيرةٌ في سلسلةِ خُطْواتٍ كبيرةٍ يجب أن
نعمل لها كي لا يكونَ لمشروعِ الفتنةِ أيُّ فرصةٍ للنجاح.
أيها السادة الكرام
نسمع اليومَ أن هناكَ دعوةً لحوارِ الدياناتِ في نيويورك بناءً لدعوةٍ
سعوديةٍ، وهذه فكرةٌ ممتازةٌ, أنْ نتحاورَ كأبناءِ دياناتٍ سماويةٍ للوصولِ
إلى كلمةٍ سواءٍ وللدعوةِ لتقاربِ الشعوبِ وجعلِ الدين وسيلةً للتقدمِ
والرُّقيِّ والتكامُلِ لا طريقاً للخلافِ والحروبِ فيما بين الديانات
السماوية. ولكنَّ المستغربَ أن يُدعى لهذا المؤتمرِ قادةُ الكيانِ الصهيوني
الذين اغتصبوا أرضَنا وانتهكوا حرمةَ قُدسِنا وقتلوا أولادَنا ونسائنا
وشيوخَنا وأطفالَنا. كيف يمكن أن يكون الحوارُ مع الأديانِ حواراً مع
مجرمين قتلة؟!.. كيف يمكن للأمم المتحدة أن ترضى بأن يعتلي منبرَ هذا
الحوارِ مجرمٌ كشمعون بيريز الذي انتهك حرمةَ مقرِّ الأممِ المتحدةِ في
قانا وارتكبَ مجزرَتَهُ التاريخيةَ التي ستبقى وصمةَ عارٍ على جبينِهِ إلى
يومِ القيامةِ كيف يمكن أن تَرضى أيةُ دولةٍ عربيةٍ أو إسلاميةٍ أن تجمعهم
طاولةٌ واحدةٌ مع مجرمٍ من هذا النوع؟!..
إننا ندعو قادةَ العالمِ الإسلاميِّ والعربي وخصوصاً رئيسَ الجمهوريةِ
اللبنانية العماد ميشال سليمان أن يقاطعوا هذا اللقاء مع مجرم أرتكب في
بلدنا أبشع مجزرة في تاريخه ولمرتين. وكذلك مع وزيرةِ خارجيةِ هذا الكيان
تسيبي ليفني، إننا لن نوافق أبداً على حوارٍ للأديانِ مع هكذا طغمةٍ وندعو
لحوارٍ للأديان مع علماءَ وكهنةٍ وحاخاماتٍ لم يتلوثوا بإقرارِ ظالمٍ على
ظلمِهِ أو محتلٍّ لاحتلالِهِ.
أيها السادة الأعلام
إن تباشيرَ سقوطِ النظامِ العالميِّ الرأسماليِّ باتت قريبةً وإن الانهيارَ
الاقتصاديَّ في الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ وأوروبا هو من المؤشراتِ
الهامةِ على بدايةِ سقوط هذا النظامِ وإن العالمَ سيتطلّعُ في فترةٍ قريبةٍ
إلى البديلِ الصالحِ لقيادةِ المجتمعِ وإخراجِهِ مما يتخبّطُ فيه من
أَزْمَاتٍ وإن الإسلامَ يمتلِكُ القدرةَ على تقديمِ الطرحِ البديلِ.. ولكنَّ
السؤالَ الكبيرَ هو: أيُّ إسلامٍ سنقدِّمُ للعالم؟.. هل الإسلامُ الذي
يتقاتلُ فيه المسلمونَ فيما بينهم على قشورٍ لا قيمة لها؟.. أم إسلامُ
الأمةِ الواحدةِ الذي يبلور نظاماً شاملاً للحياة يصلُح لأن يكون بديلاً عن
تلك الأنظمةِ البشريةِ الفاشلةِ.
إننا سنواجه في الفترةِ المقبلةِ مَهَمةً كبيرةً تُلقي على عاتِقِنا خصوصاً
على عاتق المفكرين والعلماءِ مَهمَّةَ إبرازِ الوجهِ الحقيقيِّ للإسلام بما
فيه من حضارةٍ وقيمٍ هي من صنع الله.. وتصلُحُ لمواجهةِ أزماتِ الإنسانِ في
العصرِ الحديثِ وإنّ أيَّ تقاعسٍ عن هذه المَهَمةِ سيُحمِّلُنا أمامَ الله
عزَّ وجلَّ مسؤوليةً كبرى ويعرِّضُنا لحسابِ عسير.
أيها الأخوة الأعزاء
ستبقى المقاومةُ وخصوصاً الإسلاميةُ منها هي العنوانَ الأبرزَ الذي طَبَعَ
على جبين تاريخِنا الحديثِ أسمى آياتِ العزة والكرامةِ والنصر والتي ساهمت
في وصول الاستكبار إلى هذه المرحلة التي يعاني معها من خطرِ الزوالِ..
ولذلك يجب علينا الدفاعُ عن هذه المقاومةِ واحتضانُها لكونها العنوانَ
الأنصعَ في تاريخِ أمّتِنا والتي إنْ تعرَّضَتْ لخَطرٍ ـ لا سمح الله ـ فإن
الأمةَ بأجمعها ستكون في خطرٍ لن تخرُجَ منه لأجيال قادمة.
أخيراً آمَلُ أن يوفقكم الله سبحانه وتعالى في مؤتمرِكم هذا لما فيه خيرُ
هذه الأمة والحمد لله رب العالمين. |