|
بسم الله الرحمن الرحيم
أراد الله سبحانه وتعالى لفريضة الحج أن تبني شخصية الفرد المسلم
على التسليم لله والانصياع في كل شيء وفي مختلف الظروف، بحيث يكون الله
سبحانه وتعالى هو الهدف الذي يسعى إليه، يلبيه، يطيعه، يطوف حوله يسعى في
طريقه، يقف حيث يريده أن يقف، ويبيت حيث يريد المبيت.
يضحي من اجله ويبذل الدم والمال والنفس من دون تردد لحسابه وفي مواجهة
الشياطين.
الصغار والكبار الذين يتخذون
إرادته بحزم وثبات ووضوح رؤية وللوصول إلى ذلك فإن هذه الفريضة تساهم في
بناء إرادة الإنسان، وتقوية قدراته على مواجهة تحديات الطريق وصعوباته
ومشاقه وذلك من خلال الارتباط بالنماذج القدوة..
الأنبياء السابقين والنبي (ص) وأصحابه وأهل بيته الذين تحملوا الصعوبات
وواجهوها واستطاعوا أن يواصلوا مسيرة الإيمان إلى الشاطئ، وأيضاً من خلال
التربية التي يتربى عليها الحج في تحمل مشاق السفر، وأداء الأعمال والجهد
الذي يبذله خلالها ابتغاء رضا الله ورغبة في تحقيق أهدافه.
وإلى ذلك أشار الحديث: " ألا ترون
أن الله سبحانه وتعالى اختبر الأولين من لدن آدم صلوات الله عليه إلى
الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع فجعلها
بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً ".
ثم وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً وأقل نتائق الدنيا مدار وأضيق بطون الأودية
قطراً بين جبال خشنة وقرى منقطعة.
ثم أمر سبحانه آدم وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه حتى يهزوا مناكبهم ذلال،
يهلون الله وحده ويرملون على أقدامهم شقا غبرا له قد نبذوا السرابيل وراء
ظهورهم وشوهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ابتلاء عظماً وامتحاناً شديداً
واختباراً بينا ولو أراد الله سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام
بين جنات وانهار وسهل وقرار جمّ الأشجار ، داني الثمار لكان قد صغر قدر
الجزاء على حسب ضعف البلاد.
ولكن لم يرد الله للحج أن يبقى في
دائرته الفردية فيتحول إلى لقاء للأفراد بل أراده سبحانه ملتقى للشعوب
والجماعات ولذلك كان نداءه لنبيه إبراهيم (ع) أن يدعو الناس من شتى الأصقاع
ومن كل فج عميق للحضور لأداء هذه الفريضة مع تنوع بلدانهم وألوانهم واختلاف
لغاتهم، وتوزع مواقعهم..
{ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } {الحج/27}.
ولنقل التربية التي يتربى عليها
الحاج خلال تلبيته وإحرامه وطوافه وسعيه ووقوفه وتضحيته إلى تربية
المجتمعات والشعوب بحيث يقف في كل المواقع التي يريدها الله أن يقف فيها
ويبتعد عن كل ما يريد له الله الابتعاد عنه... والاستعداد الدائم للتضحية
في سبيله ومواجهة التحديات من اجله.
هذا إلى جانب التأكيد على بناء
علاقة متينة بين المجتمعات والشعوب هذه بحيث تكون العلاقة فيما بينهم مبنية
على الإخوة الاسلامية والترابط الإيماني والبنيان المرصوص، والوحدة الرائدة
وذلك من خلال التأكيد على عدة عناوين ، صرحت الآيات والأحاديث بالتأكيد
عليها:
1- التعارف فيما بينهم، بحيث لا قطيعة بين الشعوب الاسلامية والمجتمعات، بل
تواصل يسعى إلى التعارف انطلاقاً من قوله تعالى: { وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا }.
وكما أشار إلى ذلك حديث الإمام
الصادق (ع): " إن الله خلق الخلق وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين
ومصلحتهم من أمر دنياهم فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ليتعارفوا ".
وعندما يتم التعارف، سيكتشف
المسلمون مواقعهم وقوتهم، في الفكر والثقافة والسياسة والاقتصاد ومواقع
تميزهم في الأدب والفنون.. وإمكاناتهم في السلم والحرب، كما سيعملون على
ردم كل مواقع ضعفهم وسد الثغرات الموجودة بينهم.
ومن خلال ذلك سيخططون لحضور فعل أكثر تأثيراً في عالم لا يعترف إلا
بالأقوياء والمميزين.
2- تبادل المنافع، بحيث يساهم كل مجتمع وشعب بإفادة الآخر مما عنده، فيما
يحتاج إليه من شتى الميادين كما أشار إلى ذلك في الحديث عن علم الحج: " فيه
منفعة من في الشرق والغرب".
وقد أشار الله سبحانه وتعالى بقوله :{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ }.
3- التلاقح الفكري وتبادل الآراء والاجتهادات حيث ورد في الحديث عن السبب
في الأمر بالحج: " لقلة الوماد، وطلب الزيادة مع ما في ذلك من المنفعة ونقل
أخبار الأئمة (ع) إلى كل صقع وناحية كما قال الله سبحانه: { فَلَوْلاَ
نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي
الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ} {التوبة/122}.
فيساهم الحج في انتقال الآراء الفقهية إلى العلماء والفقهاء ويتبادلون
الأفكار.
4- العودة إلى جذور الإسلام الأول من خلال العودة إلى تاريخ الأنبياء،
وتاريخ حركة الإسلام الأول بقيادة النبي (ص) من خلال زيارة الموقعين
الأساسيين لانطلاقة الإسلام الأول.
مما يساهم في تعزيز التجربة الإسلامية بالاستفادة من تجربة رسول الله (ص)
ومن معه، والأخذ من روحيتهم للثبات أمام التحديات التي تواجه الواقع
الإسلامي حيث ورد عن علم الحج: " ولتعرف آثار رسول الله (ص) وتعرف أخباره
فيذكر ولا ينسى".
5- اللغة المشتركة للمسلمين تتأكد من خلال هذه الفريضة حيث يشعر المسلمون
بالحاجة الماسة إلى لغة مشتركة تجمعهم لتؤكد التواصل فيما بينهم والتعارف
مع بعضهم البعض.
ولا بد أنهم سيجدون اللغة العربية، لغة القرآن، هي اللغة التي لا بد من
الحفاظ عليها وعنوان لتواصلهم وتلاقيهم.
6- لغة الوحدة التي تتأصل من خلال وقوفهم على أرض واحدة، تلبية وطواف وسعي
ووقوف ومبيت وتضحية ورجم للشياطين واحد.
لا تفرق بينهم كل فوارق اللغة والمكان، فما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم.
7- القوة التي يساهم هذا الاجتماع بإظهارها، حيث يأتي المسلمون بإرادتهم
واختيارهم، مع بذل أموالهم، ليكونوا مع أخوة لهم، وليشكلوا عنوان المؤمن
للمؤمن كالبنيان المرصوص ليشد بعضه بعضاً.
وهذا ما أكد عليه الإمام علي (ع) عندما اعتبر أن ترك الحج إسقاط للواقع
الإسلامي فتحدث مناشدة الله ،التي في بيت،فلا يخلو منكم ما بقيتم فإنه إن
ترك لم تناظروا.
وقد ورد في الحديث: " ولو كان كل
قوم إنما يتكلمون عن بلادهم وما فيها وتركوا الحج ، هلكوا وخربت البلاد
وسقطت الجلب والأرباح وعميت الإخبار ليعمل بكل قوة على إيجاد حواج ومثار
ليس بين المسلمين" بحيث يشعر كل مذهب أنه عدو للآخر، وكل صاحب رأي أنه لا
يلتقي مع الآخر.
فيما الحاجة ماسة إلى التأكيد على أن الأرض الواحدة، والرب الواحد والهدف
الواحد والأعمال الواحدة ، تجدون على أن ما يلتقي عليه المسلمون أكثر مما
يختلفون فيه، والدليل في هذا العمل واضح وبين.
و لجعل هذه الفريضة تساهم في بعث الحيوية في داخل الأمة، وفي مواجهتها
للتحديات التي تفرض عليها:
أ- تعريف الذين يذهبون إلى الحج على أهمية الاستفادة من هذه الفريضة
للتعرف على المجتمعات الأخرى والشعوب المختلفة والاستفادة مما عندها...
والإفادة مما عندهم.
ب- التأكيد على اعتبار اللغة العربية لغة تواصل بين المسلمين كي لا تقف
اللغة حاجزاً أمام تواصلهم مع بعضهم البعض، لا سيما أن تعلمهم لهذه اللغة
تساهم في وعيهم أكثر للقرآن والأحاديث وللإسلام .
ت- تقرير التواصل من خلال الندوات والمؤتمرات واللقاءات التي تقام في
آماكن اجتماع الحجاج لتدارس واقع المسلمين ومستقبلهم وتوعيتهم على الثقافة
الأصيلة، والفاتهم للتحديات التي يواجهونها وتدارس سبل الخروج منها.
ث- إقامة المعارض الثقافية والاقتصادية والأدبية والتي تعرض فيها نتاجات
الأفراد والتجمعات والشعوب، لتكون فرصة لتعريف المسلمين على نتاج بعضهم
البعض ولو في حدود النماذج البسيطة.
ج- تأمين سبل اللقاءات بين الفعاليات الدينية والثقافية والاقتصادية
والسياسية، لتدارس الشؤون التي تتعلق بهم، والمساهمة في إيجاد منتديات
دائمة لهم، في موسم الحج وتمتد إلى كل بقاع العالم الإسلامي.
ح- إيجاد عمل إعلامي بشتى اللغات للتأكيد على أهمية هذه الفريضة ودورها
والمساهمة في تقرير وعي المسلمين وتعارفهم من مصادره الأصلية.
د- التأكيد على الهوية الإسلامية الجامعة وأن الانتماء إلى بلدانهم لا يلغي
الهوية الإسلامية، فهم لبنانيون، وسوريون وعراقيون وإيرانيون... وكلهم جزء
من العالم الإسلامي.
وعليهم أن لا تكون حركتهم على حساب المسلمين بل لحسابهم.
هـ _ تعميق الإحساس أن الاختلاف في الاجتهاد والمذاهب والبلدان لم يمنعوا
من الوقوف صفاً واحداً في أداء هذه الفريضة فالكل في طواف واحد وسعي واحد
والوقوف واحد وتضحية واحدة والسعي نحو هدف واحد والرغبة في إرضاء الرب
الواحد نجد بالتالي ما يجمع الأمة أكثر مما تختلف فيه.
إننا ندعو إلى الاستفادة القصوى من كل هذا المد البشري الذي لا ينبغي أن
يتحول إلى أرقام جامدة، بل إلى أرقام فاعلة هادرة تنتج خيراً للإنسان
والحياة.
إننا بحاجة إلى التأكيد على هذا
الاجتماع والتأكيد من خلاله على وحدة المسلمين في هذه المرحلة أكثر من أي
وقت مضى، لأننا نشاهد مشروعاً استكبارياً وتبادل خبراتهم والتعاون في
مواجهة التحديات التي توجه إليهم.
ولم تقفوا عند ذلك فذلك علة الحج ، لكن مع كل هذا، هل هذا هو واقع المسلمين،
بحيث أنهم عندما يؤدون هذه الفريضة يعيشون معانيها الجماعية العامة كما
الفردية، أم يرجعون بالنتاج الجماعي فيشعرون بقوتهم ووحدتهم وتواصلهم
وتبادلهم، أم أن الحج لا يزال فردياً وفردياً إلى آخر النفس.
إننا نعتقد أن العوز لم تبلغ بعد
الهدف المرجو، هناك مبادرات بسيطة لكن لم يتحول الحج إلى مشروع لوحدة الأمة
الاسلامية وتأكيد حضورها لتبني على أساسه الأمة وتقوى ولتشتد ولذلك ينبغي
السعي إلى عدة جوانب. |