|
في البداية أود أن أؤكد على أهمية أن يكون العلماء قادرون على مناقشة
الأفكار بكل تجرد وموضوعية دون أي أحكام مسبقة أو اعتبار مناقشة الرأي
بالرأي شكل من أشكال الإنتقاص، ذلك أن العلماء هم مربو الأجيال والأمم،
ولذلك يقع على عاتقهم مسؤولية تربية الأفراد على كيفية حل مشكلاتهم عن طريق
الحوار الهادئ وحوار الحجة بالحجة دون تحويل الاختلاف في الرأي إلى خلاف
وخصومة.
إن التوحيد هو غاية الإسلام، وأساس الدعوة إلى الله تعالى، فالله
تعالى يقول: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
والعبادة لا تصح ولا تقبل إذا خالطها شرك أو رياء لذلك وجب الإخلاص لله عز
وجل بأن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة ، لا يقصد بها رياءً ولا سمعة ولا
حظاً من الدنيا. والله تعالى يقول: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ
فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } . والإيمان بالله تعالى يظهر عقلياً من
خلال الإيمان بوحدانية الله تعالى من خلال الشهادتين وجسمانيا من خلال أداء
فرائض الإسلام من صلاة وصوم زكاة وحج لبيت الله من استطاع لذلك سبيلاً.
من هنا كانت دعوة الحج دعوة من الله للناس ليتوجهوا إليه فقال: {وَأَذِّن
فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ
يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} وقال أيضا: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ
مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ
حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ
الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } ذلك ان أروع صور الوحدانية لله تتجلى في
عبادة الحج، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم عندما أحرم للحج فقال:
"لبيك الله حجا، اللهم هذه حجة لا رياء فيها ولا سمعة"، ومن المعلوم أن
النية في الصلاة والصيام محلها القلب لا يشترط فيها التلفظ، إلا في عبادة
الحج فيجب التلفظ بها، وكلما اجتهد الإنسان المسلم في أداء المناسك كلما
صدقت النية بينه وبين ربه وكلما ارتقى في مدارج التوحيد وثقلت موازين
عبوديته لله الواحد القهار.
وقد رأى السادة العلماء أنه من راى رجلاً يطوف بالبيت فله ان يحكم
حكماً ظاهرياً بإسلامه، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ عن أنس بن مالك قَالَ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل
ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)
. وفي حديث آخر إسناده ضعيف عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه قَالَ
: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا رَأَيْتُمُ
الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيمَانِ ، فَإِنَّ
اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: }إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ{
فليس الحج عبادةً فرديةً يخرج فيها كل مسلم متجردًا إلى ربه يؤدي
المناسك ثم يعود من حيث أتى، ولكنه عبادة جماعية واجتماعية كبرى ومناسبة
ضخمة للتجمع؛ من أجل هذا حدَّد له المولى- عزَّ وجل- أيامًا وأوقاتًا
معلومةً ومحددةً بكل دقة ليجتمع كل الحجيج في لحظة واحدة في صعيد واحد..
الأمر الذي يتحقق في أجلِّ صورِه في يوم الحج الأكبر عند الوقوف بعرفة؛
ولعل هذا الاجتماع الفريد المتجدد واحدٌ من تلك المنافع الكبرى للحج التي
ذكرها المولى- عز وجل- في قوله تعالى: }لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ {
لتشمل كل منفعة كبرى تعود على الأمة وعلى الحجاج فرادى وجماعات.
ولذلك جاء الحج ليكون رمزاً من رموز الوحدة الإسلامية بين المسلمين،
بل ليكون رمزاً من رموز الوحدة الإنسانية، ذلك ان الله تعالى في كل الآيات
التي تحمل التكاليف الشرعية للمسلمين كان خطابه موجها بصيغة "يا أيها الذين
آمنوا" إلا في آيات الحج كان الخطاب " ولله على الناس" فالحج يختلف عن كل
العبادات. لما قال تعالى }وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ{ هذه
دعوة للناس أجمعين للدخول في الإسلام بخلاف ما لو قال صلّوا أو صوموا. دعوة
لجميع الناس للدخول في الإسلام، كيف؟ الصلاة الصيام والزكاة الديانات
مشتركة فيها. وكفار قريش كانوا يصلّوا }وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ
الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ
تَكْفُرُونَ { فلو قال صلّوا لقالوا إنما نصلي ولو قال زكّوا لقالوا إننا
نزكّي ولو قال صوموا لقالوا إننا نصوم، إذن هذه الدعوات لو قالها لا تكون
دعوة للدخول في الإسلام بخلاف الحج. لم يكن أهل الكتاب من النصارى واليهود
يحجون إلى بيت الله الحرام. فلما قال تعالى }وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ{ معناها كلٌ مدعوون للدخول في الإسلام لأن هذه العبادة الوحيدة
التي لم تكن عند أهل الكتاب. هم كانوا يصلّون ويصومون ويزكّون إلا الحج فلم
يكونوا يحجون لمكة. ولذلك هذه دعوة للدخول في دين الله. الحد يختلف عن بقية
العبادات لأن بقية العبادات موجودة. إذن هو دعوة للدخول في الإسلام وإقامة
هذه العبادة. فإذا ما دخلوا في الإسلام تحققت الوحدة الإسلامية نتيجة
للوحدة الإنسانية.
ولذلك فقد كان الحج هو مؤتمر التوحيد العالمي السنوي في مكة مركز
الأرض بينما تنطلق أشعة شمس التوحيد منها إلى دائرة محيطها ألا وهو محيط
الأرض كلها، من خلال كلمات التوحيد التي تنطلق ملئ أفواه المؤمنين الموحدين
مرتبطة قلوبهم بإله واحد وتتطلع العيون إلى السموات العلا وتلهج ثغورهم
وقبلها قلوبهم بدعوات الوحدانية والمغفرة إلى غفار السماوات والأرض. إضافة
إلى ذلك فإن الحج موسم التوحيد الخالص يجب ان يكون موسم التوحد، تحقيقاً
للمعادلة القرآنية: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا
رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} فالله سبحانه وتعالى ربط في هذه الآيات الكريمة
بين وحدانيته ووحدة الأمة، وهذه الأمة توحدها عظمة الغاية وشرفها فقد قال
تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ
وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ
شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ
اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وأن تحقق معاني الأخوة
الإسلامية الإنسانية تحقيقا لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ} .
وفي موسم الحج نلمح لطيفة من لطائف قوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ} إن الألفة الإسلامية والرباط الإسلامي حقيقة حتمية خلقها المولى
عزوجل ، وحقيقة كونية ثابتة، مثلها مثل حقيقة الخلق والحياة والموت. حقيقةٌ
واقعةٌ لا تحتاج إلى قانون ولا إلى جهد بشري وأكبر دليل على ذلك تآخي
المسلم مع المسلم في موسم الحج.
ملمحُ آخر من ملامح فريضة الحج المباركة، هو ان يعذر المسلمون بعضهم
بعضاً فيما اختلفوا فيه، فيما دون الأصول والثوابت المقدرة شرعاً. وهذا هو
منهج الفقه النبوي صلى الله عليه وسلم في كل العبادات سيما الحج، فقد كلن
يوسع ضيقا ولا يضيق واسعاً، حتى انه يمكننا أن نتخذ شعاراً فقهياً في الحج
" التيسير على المسلمين"، ومن أجل صور هذا الإختلاف هو تعد الشعائر التي
يؤديها الماكثون في الحرم المكي فمنهم من يطوف بالبيت ومنهم من يسبح ربه
ومنهم من ينظر إلى الكعبة ومنهم من يصلي صلاة النافلة ومنهم من يتراص لصلاة
الجنازة، كل من هؤلاء له منطقه ومبرره، ولا يجمع هؤلاء إلا الصلاة المكتوبة
فهي الثابت الوحيد وكل ما عداها في المشهد متغير، وهي الأصل وكل غيرها فرع.
في هذا المؤتمر التوحيدي السنوي ترى سفراء لكل دول العالم الإسلامي،
وهذا يظهر الفرق الجلي في اللغة والعادات والتقاليد المتباينة بين كل بلد
وآخر، وقبول هذا الإختلاف هو لبنة أساسية في تحقيق الوحدة الروحية
والمرجعية الإسلامية الربانية الواحدة، وعندما يؤمن كل شعب إيمانًا جازمًا
أنه غير مطالَب بالتنازل عن تفاصيل حياته اليومية وعن خصوصيته الثقافية
لتحقيق الانصهار في بوتقة وحدة الإسلام العالمية، وإنما يترك له الإسلام
مساحةً واسعةً من الحفاظ على الإرث الثقافي فيترك له لغتَه ولسانَه الذي
وُلِد به ولهجتَه التي دَرَج عليها، ووسائلَه وأدواته الخاصة في الحياة ما
لم يتعارض كل ذلك مع المبادئ والآداب الإسلامية، ويبقى الإسلام الإطار
العام الذي يؤطر حياته كلها.
ومن أروع صور الوحدة في الإسلام هو ان الله تعالى أنزل القرآن على
نبيه المصطفى بقراءات متعددة تراعي تنوع اللهجات العربية الكبرى، وفي هذا
مراعات لتنوع الفوارق الثقافية والبييئية بين المسلمين. أضف إلى ذلك ان
المسلمين عندما جاهدوا في سبيل الله وفتحوا البلاد، فتحوا العقول والقلوب
من ثم فتحوا الحصون، ولذلك لا ترى انهم صدروا ثقافتهم ليفرضوها على أهل
البلدان الأخرى ماحين إرثهم وتراثهم، ومن هنا نرى ان تعداد الناطقين باللغة
العربية في العالم الإسلامي اليوم لا يتجاوز الربع رغم مكانة اللغة العربية
وفضلها كونها لغة القرآن ولغة الحديث النبوي الشريف، لذلك فإن الإسلام لم
يأت بعولمة ثقافية من اجل إخضاع الشعوب لها، وإنما جاء برسالة توحيدية
تطالب الآخر بتقبل أخيه رغم كل الإختلاف الحاصل بينهم.
ومن لطائف خطبة الوداع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بعد أيها
الناس فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا ، ولكنه إن يطع فيما
سوى ذلك فقد رضي به بما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم"
وقد سطر سيد الخلق محمد أروع صور الوحدة بين بين المسلمين عندما آخى
بين المهاجرين والأنصار فتساوى السيد في قومه مع الفقير منهم، والحر مع
العبد. كما انه تحقيقا للمصلحة الإسلامية العامة اتفق مع غير المسلمين حقنا
للدماء وتيسيرا لأمور المسلمين، ومن ذلك صلح الحديبية والإتفاقات التي
عقدها عليه الصلاة والسلام مع العديد من القبائل العربية. وحديثه عن حلف
الفضول أكبر دليل أن معشر المسلمين لا يخافون من أي طرف أو من أي انفتاح
على الآخرين فقد روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن
ابني أبي بكر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم" - لقد شهدت في دار
عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت . تحالفوا أن ترد
الفضول على أهلها ، وألا يعز ظالم مظلوما".
وقد كان الصحابة على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فها هو
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كان المستشار الأول لخلفاء رسول الله وأمراء
المؤمنين من أبي الصديق والفاروق عمر بن الخطاب وعثمان ذي النورين، حتى أن
أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه في ما نقله سعيد بن المسيب: "كان عمر
يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن" ، وولداه السبطين الشريفين أبي
محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين كانا ممن يتقدمون للجهاد في صفوف جيوش
المسلمين، حتى ان الحسن بن علي رضي الله عنهما كان من الذي يقفون على باب
أمير المؤمنين عثمان بن عفان ليمنع الثوار من أن يصلوا إليه وذلك بإيعاز
وتوجيه من أبيه علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. كل هذا كان تحقيقا للمصلحة
الإسلامية العليا بعدم شق صف المسلمين والحفاظ على وحدتهم انطلاقا من
المبدأ الشرعي وخوفا من الله تعالى.
لقد ورث خلافة الأمويين أكثر من عشرين حاكما في أكثر من عشرين مقاطعة
أو مدينة ، وقد انقسم هؤلاء الحكام إلى بربر وصقالبة وعرب ، وكانت بينهم
حروب قومية لم يخمد أوارها طيلة السنوات التي حكموا فيها ، ولقد ترك هؤلاء
الملوك المستذلون الضعاف الملوك النصارى يعيشون بهم ويتقدمون في بلادهم،
وانشغلوا هم بحروبهم الداخلية ، وباستعداء النصارى ضد بعضهم البعض ،
وتسابقوا على كسب النصارى ، وامتهنوا في ذلك كرامتهم وكرامة الإسلام ،
فدفعوا الجزية وتنازلوا طوعا عن بعض مدنهم للنصارى ، وحاربوا في جيوش
النصارى ضد المسلمين من إخوانهم في المدن الأخرى من أرض الأندلس الإسلامية.
ولا يستطيع المرء أن يزعم أن باستطاعته أن يحصي كل مساوئ الفترة
المسماة بفترة ملوك الطوائف، ولقد أدى التنافس بين هؤلاء الملوك إلى رفعة
منزلة الشعراء والأدباء والمطربين ، ولم يكن ذلك حبا في الأدب، ولا إعجابا
بفن الطرب، وإنما كان ذلك من جملة أساليبهم في حرب بعضهم البعض ، وفي
محاولة تحصيل المجد والشهرة المزيفين. وقد اشتهر من بين هؤلاء الملوك
المتنافسين أسرة بني عباد، التي نبغ فيها المعتمد بن عباد كأمير مشهور
عاطفي، وكشاعر كبير ذي قلم سيال، ولقد استفحل الخلاف والتنافس بين هؤلاء
الملوك ، كما استفحل كذلك ضعف كل منهم ، وكان من نتائج ذلك طمع النصارى في
إشبيلية وفي المدن الأندلسية الأخرى، ولئن كان للمعتمد بن عباد من فضل، فإن
ذلك الفضل لن يكون إلا في محاولته مقاومة هذا الخطر حين رأى دنوه من أبواب
المسلمين. ولم يكن أمامه من مخرج غير الاستعانة بقوة المغرب العرب، فاستعان
بالمرابطين في المغرب الأقصى ، وعندما كان بقية ملوك الطوائف يبدون خشيتهم
من المعتمد ، قال لهم كلمته المشهورة : " لأن أرعى الجمال في صحراء
العرب خير من أرعى الخنازير في أرض الصليبيين "ولقد تقدم زعيم المرابطين
يوسف بن تاشفين فعبر البحر و ( جبل طارق ) لنجدة المسلمين في الأندلس
وحقق في (معركة الزلاقة) سنة 479 هـ ( 1086 م ) انتصارا كبيرا ساحقا
على النصارى كان من أثره مد عمر الإسلام في الأندلس فترة أخرى من الزمن.
ونذكر هنا سابقة تاريخية من القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي، الذي
يستوطن في العقل الجمعي الإسلامي مكانة خاصة. وهو قائد عاش في عصر شبيه
بعصرنا من حيث استباحة بيضة الأمة وتكالب أعدائها عليها وافتراق كلمتها.
لكنه بتركيب عجيب بين الشجاعة والحزم من جانب، والحكمة والرحمة من جانب آخر،
استطاع أن يستعيد بيت المقدس من أيدي الصليبيين وينقذ مصر من شرهم، ويوحد
كلمة الأمة في عصر عز فيه الموحد والناصر، وساد المفرق والمخذل. وكان له كل
ذلك بفضل فقهه بسلم الأوليات، ووعيه العميق بظروف الطوارئ التي تمنع
استنزاف الذات في الحروب الكلامية والصراعات الجانبية. والسابقة التاريخية
المقصودة هنا هي تعامل صلاح الدين الأيوبي مع حكام الدولة العلوية الفاطمية
في مصر الذين أعلنوا أنفسهم خلفاء مجانبةً للخلافة العامة في بغداد، ومع كل
ذلك فإن تعامل صلاح الدين الأيوبي مع هذه الدولة كان محكوما بمنطق غير
طائفي، وكان مبنيا على إدراك عميق لظروف الطوارئ التي تعيشها الأمة وهي
محاصرة بين فكَّيْ الخطر الصليبي القادم من الشمال، والزحف المغولي الداهم
من الشرق.
وللرد على أحد الكتاب الصحفيين المستجدين الذين كونوا أرصدة مالية في
الفترة الأخيرة من عمر لبنان عن طرق مقالاته التي تشعل فتيل الفتنة والتي
تعج بالتطاول والإتهامات والتجريح برموز العمل الإسلامي والصحوة الإسلامية
في لبنان، فقد قال "أن الوحدة الإسلامية في ذبول" وهذا كلام غير صحيح،
فالوحدة الإسلامية هي في أقوى صورها اليوم والدليل على ذلك وحدة المسلمين
سنة في لبنان وفلسطين على قتال إسرائيل ووحدة الهدف في إزالتها من الوجود.
قد يكون أصحاب الوحدة الإسلامية تعرضوا لانتكاسات عديدة، وتعرضوا لحملات
تشهير عديدة، ولكن كل ذلك يهون، ولنا في قصة الحج خير دليل، فمن مقاصد الحج
السامية وأهدافه العظيمة تربية النفس على عدم اليأس من روح الله مهما اشتدت
الخطوب وعظمت الكروب فإن الله بيده الفرج فهذه أم إسماعيل كاد وليدها أن
يهلك ، وبدأت تركض من جبل إلى آخر تتطلع للفرج فأتاها من حيث لا تحتسب إذ
نزل الملك فضرب الأرض فخرج ماء زمزم وما فيه من شفاء لأمراض القلوب
والأبدان.
كما نؤكد على ضرورة المكاشفة والمصارحة بين السنة والشيعة وذلك من أجل
تبديد المخاوف التي يتوجس من كل من الطرفين خيفة، وعدم المداهنة. وشير إلى
ضرورة مراجعة الإرث الثقافي للمسلمين سنة وشيعة وعدم العودة إلى المسائل
التي تعيد الخلاف إلى السطح. والأهم هو عدم ضرب مشروع الأمة الأهم بتحرير
فلسطين من أجل بعض الخلافات بين السنة والشيعة مما يؤدي إلى ضرب حركات
المقاومة في فلسطين ولبنان.
ختاماً، إن الذي يربط المسلم بالمسلم أكبر بكثير من المظهر الخارجي،
فإن ما يربطنا بعضنا ببعض ومن ثم بامتنا الواحدة عوامل عديدة:
وحدة العقيدة وتحقيق الوحدانية لله؛ بحيث يتوحد الصف الإسلامي على كلمة
التوحيد.
وحدة التشريع العام من لدن خالق السماوات والأرض.
وحدة التوجه.. سواء في التوجه إلى قبلة واحدة أو إلى فكر عام واحد.
وحدة الشعور والوحدة العاطفية التي تجعل المسلمين كالجسد الواحد.
وحدة المصير باعتبارهم كيانًا إسلاميًّا واحدًا.
وحدة المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وهو رباط حيوي ومهمٌّ
جدًّا لبلورة مرجعية إسلامية عُليا، وليس هذا جنوحًا للبراجماتية ونظريتها
النفعية، ولكنَّ واقع الحال يؤكد أن الأمة تتفرق يوم تشعر بتضاد المصالح،
ويوم يربط بعض أبنائها مصالحهم بمصالح أعدائها، وعندما تتضافر المصالح
المادية مع عناصر التوحد الأخرى فإنها تقوِّيها وتُكسبها صلابةً وصمودًا..
فهل تعي الأمة واحدًا من أهم دروس فريضة الحج الكبرى، فتسعى لتوحيد
مرجعيتها كما يحقق حجاج بيت الله أخوَّتَهم الإسلامية في الحج..؟! |