الفهرس

مجلة الوحدة الاسلامية للمراسلة

 

كلمة عضو تجمع العلماء المسلمين
سماحة الشيخ محمد قبيسي

بسم الله الرحمن الرحيم

   والحمد لله رب العالمين..والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله وعلى آله الأطهرين،
والسلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته..
أيها الأخوة الكرام.
الحج شعيرة إلهية يطوي فيها الناس الطريق من أوطانهم إلى محل لقاء ربهم ونبيهم
   قال تعالى: "ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله"، وهو رحلة الناس استجابة لنداء إبراهيم عليه السلام الذي كان أمة.
   قال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله} (120 النحل)، وقد كان هدفه أيضاً بناء أمة مسلمة لله تعالى.
   قال تعالى : {إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك * وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم} (البقرة 128).
   ومن الملفت أن خطاب ونداء الحج كان للناس وليس للمؤمنين، أي انه جاء موجهاً للناس عموماً ليرشدهم إلى الدين الذي يوحد حركتهم ويصلح أحوالهم وذواتهم..
   قال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً }، وقال تعالى في مجال آخر: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. وهنا تظهر إشارة إلى الكعبة الشريفة باعتبارها بيت التعارف والتواصل والتفاعل وتبادل الخبرات الإيمانية والثقافية والحضارية بين الناس. وقال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس}، فالناس هم جميعاً هدف هذا النداء، وهذه الصحوة، وعلى عاتقنا كأمة مسلمة تقع مسؤولية تحقيق الأهداف الإلهية الكبرى.
   وهنا أذكر أن الإمام الخميني كتب أول بيان للثورة في وجه الشاه، وقد بدأه بقوله تعالى: { قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله}، وهو يشير إلى أهمية قيام الناس في وجه الطاغوت، كمقولة حاسمة في تحقيق الانتصار الإلهي، فالقيام لله الذي هو فلسفة قيام الكعبة هو سبيل تحرير الشعوب.
أيها الأخوة أصحاب السماحة..
   إن العلاقة بين الوطن والأمة هي علاقة طبيعية ومتلازمة، وهناك بين رباط الوطن. الأرض وربما الشعب والسلطة وبين رباط الأمة علاقة تكامل، فالاستكبار الأميركي والإسرائيلي عمل على الفصل بين رباط الوطن وبين رباط الأمة، وقد استفاد من حركات الاستشراق لأجل هذه الغاية، بينما عمل الإسلام على الربط بين رباط الأسرة والوطن والقبيلة والشعب، ليؤلف أمة مسلمة لله تعالى.
   ومن الممكن والواجب أن تعمق الروابط الوطنية على رغم التنوع الطائفي والمذهبي لنبني وطناً قوياً عصياً على مؤامرات الأعداء، ثم نذهب في شوط أخر لنبي أمة لا تفصل بين شعوبها لا الجغرافيا ولا الأرض.
وهذه هي غاية الأنبياء عليهم السلام جميعاً، وهذه غاية القرآن، الكريم الذي جمع الله فيه خلاصات رسالات الأنبياء وتجاربهم وجعلها في رسالة واحدة ليعطي فكرة عن المشروع الإلهي الجامع وأسلوبه، والموجه لجميع أتباع الأديان، جميع بني البشر.
   وهنا دعوني أن أسترسل في عجالة لأشير إلى الصورة المعنوية والسياسية التي تتجلى في فريضة الحج إلى الله سبحانه في سياق رائع لبناء الإنسان والأمة.
   الكعبة هي البيت الأول وفيه تتركز معاني الخلافة والولاية، وفي الحج توجد تعاليم التوحيد ومشاهده الشاخصة ومناسكه العملية، وهي تعاليم تصلح لجذب البشرية وتخليصها من براثن الوهن والتجزئة والتشتت والغفلة والخواء. هنا تتجلى رمزية وحدة الأمة بكل تنوع ألوانها، وشعوبها، وقبائلها كرسالة قوية للناس كي يلغوا كل الفوارق والنزاعات ويتواصلوا على أساس الأخوة الإيمانية.
   الحج من بيت الأسرة والشعب والقبيلة إلى بيت الله الجامع للشعوب، والذوبان لتحقيق الصفاء على الصفا، وإظهار المروءة على المروة، في هذا الحفل الإلهي العالي المضامين يتعلم المستضعفون كيف يكونوا قوة تقارع الطواغيت، هنا تتجسد رمزياً تعاليم الأنبياء كما قال تعالى :{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} إنه ذات المفهوم الذي أشار إليه العارف بالله الإمام الخميني (عليه الرحمة) حين قال: "ديانتا عين سياسيتنا وسياستنا عين ديانتنا".
   وهذه هي المعادلة الصحيحة للدين التي تقرن الإيمان بالله بالكفر بالطاغوت، ومواجهة المستكبرين إلى جانب الاستعانة بالحق والعبودية له. فيتجلى ذكر الحق كما في سورة الحمد {إياك نعبد وإياك نستعين} بكل حضور وتوجه.
هذا ما يتحقق رمزياًً، وينبغي أن يتحقق لنا، وأن نحققه من هذه الفريضة التربوية العبادية والسياسية.
   وحينما ننظر إلى طواف البشرية حول الكعبة عبر الأيام والأعوام نتعلم كيف ينبغي أن تطوف فراشات الروح حول شمعة الحق فتتلاشى في نوره وتتعلم كيف تحرق أجنحتها بلهيب المحبوب المطلق، بكل انسجام بين حركة الفرد وحركة الأمة.ومن هذه التعاليم يتعلم العباد والزهاد والعرفاء والعشاق كيف يناضلون ويستشهدون.
وفي ركن الكعبة يتعلم الناس كيف يتمسكون بعروة الله ذي الجلال ويلمسون حجر العهد والميثاق لله تبارك وتعالى، فيعلنون هناك أداء أمانة الحق تعالى، وحمل مشعل الأنبياء للأمة والناس.
   في هذا الخضم الملكوتي تتعرف الأمم المظلومة على قدرتها الفولاذية، وعلى قوة الله وجبروته، وحينما تتوجه إلى رجم الجمرات تتعرف هناك على ضعف كيد المستكبرين.
   إنه المسرح الإلهي الذي يمثل فيه أفراد الأمة عبر الأجيال جميع الأدوار التي انتدب الله لها الأنبياء ورواد الإصلاح وتتعلم بنفسها بصورة مباشرة أداء هذه الأدوار، فهي الممثلة وهي جمهور المتفرجين، فهم الذين يجسدون تكتل الأمة، وفعل الأمة على هذا المسرح، ويحظون على منافعها.
   ومن خلال ذاك البحر المتلاطم بأمواج الحب والعشق لله المتعال يدرك الثوار الإلهيون الحائرون طريق سيرهم وسلوكهم لتحقيق هدف وحدة الأمة وتحطيم عروش المستكبرين ليرفعوا على أنقاضها معالم التوحيد المحمدي الخالص الأصيل.
وحينما يلوذ الحجيج بالله ملبين مبتهلين، معلنين البراءة من المشركين يشعرون بكل كيانهم بجواب ذاك السؤال الإلهي المهيب: لمن الملك اليوم؟.
   فالحجيج الذين لا يحملون معهم من الوطن ما سافروا عنه وهاجروا عنه من أطعمة وملذات، وهجروا المألوف بقصد التوجه إلى تلك المائدة المعنوية الكبرى هم المهاجرون الحقيقيون والقاصدون زيارة الله. قال الله تعالى: "وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان". ليعود الإنسان من هناك حاملاً شيئاً من رحيق معاني الخلافة والولاية، وحاملاً جزءاً من الأمانة على الموجودات، فهي خاضعة له وليس العكس، وهنا الفرق بين الحج من الوطن الذي ننتمي إليه وبين العودة إلى الوطن الذي ائتمننا الله عليه.
   والهجرة هنا هجرة إلى الجزيرة العربية التي كانت من قبل في ظلالٍ ثقافي وحضاري ومعنوي مريع والتي أصبحت بفضل بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، معلماً تهوي إليه أفئدة الناس من كل فج عميق ليشهدوا تعاليم التغيير الكبرى والمشعل الذيً تبلور على ضوئه مشروع بناء خير أمة أخرجت للناس.
   ينبغي أن يكون الحج اليوم مبعثاً لليقظة والوحدة، تحمل فيه أمة الحجيج ماء زمزم المليء بالمعارف الإلهية التي تصنع الشعوب، إنه كماء مدين الذي يمكن لأمتنا، وخاصة نحن معاشر العلماء أن نشرب ونسقي العطاشى عبر هذا العالم المثقل بالهموم، وهو ما أشير إليه في الذكر الحكيم: {ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون}.
   وعندما نكون في أيام الحج هناك نستشعر طوال فترة وجودنا، بأن الله معنا ونشعر بالقرب منه والانقطاع إليه سبحانه، ونشعر بفعل التقارب بين أفراد المجتمع البشري، من خلال هذه المظاهرة الإلهية التي يلتقون فيها على اختلاف ألسنتهم وألوانهم من دون أي فوارق اجتماعية ونجد أنفسنا مجذوبين إلى التحقيق الفعلي لدعوة الله سبحانه وتعالى للوحدة {واعتصموا بحبل الله جميعاً}، والكل عليه أن يذوب في بحر الحق البشري الذي صُنع على عين الله تعالى لتنال الشعوب ما تتمنى في منى وتتدفق المشاعر في المشعر، ويفيض الطوفان الإلهي بأبهى معانيه وتلوذ القلوب المجروحة المقصرة، بالله معترفة له في عرفات.
   هناك يشهد الناس وفي ذاك الحضور المقدس في محضر الله سبحانه جميع المنافع السياسية والمعنوية لهذه الأمة التي ينبغي أن تكون موحدة متحدة متراصة، إنه تمثيل متجدد لحركة الأمة وطوافها حول كعبة التوحيد والتواصل ولجم كل الفواصل التي وسوستها شياطين الشرق والغرب بهدف أن تبقى إسرائيل وأميركا في أمان ويغرق المسلمون في غياهب الجهل والأحقاد والدماء، ومع كل أسف نجد علماء مؤثرين يخضعون للابتزاز فيقولون ما يريح الاستكبار ويغضب الرب و يثير الفتن.
   إننا مدعوون أن نسد منافذ تأثير الشياطين على التعاليم الإلهية التي تحتاجها وتنتظرنا من أجلها الشعوب في أوطاننا، فمدرسة الحج هي مدرسة التمرد على الذات وعلى الطواغيت لنكون جديرين برفع أركان كعبة التوحيد كما رفعها النبي إبراهيم الخليل عليه السلام، فقد سطر إبراهيم هناك تلك الملحمة التوحيدية الفريدة التي ذكرها القرآن الكريم من خلال آياته المباركة لنتعلم حقيقة العبودية من خلال سفح الدم في سبيل الله بكل إخلاص ودون تردد، قال تعالى: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك قال يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين }، وفي مكان أخر {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صّدقت الرؤيا، إنا كذلك نجزي المحسنين}.
   أيها الأخوة، أصحاب السماحة والفضيلة، إن الدرس الإلهي العظيم الذي يمكننا تعلمه من الحج، هذه الفريضة الهائلة المعاني، هو ذلك المتعلق برص صفوف هذه الأمة العظيمة وانطلاقها بكل جد ووحدة لمواجهة الاستكبار وبث تعاليم التوحيد الذي من أجله بعث الأنبياء وبه تتحرر شعوبنا والبشرية، درسٌ لا بد أن ندركه ونستلهمه في مسيرتنا الإيمانية والجهادية المباركة.
واسمحوا لي قبل أن أختم أن أقدم بعض الاقتراحات البسيطة:
   أولاً: أن يعمل المؤتمر على تشكيل لجنة تأخذ على عاتقها اختيار ممثلين لكل دولة من الدول الإسلامية (ولو تدريجياً) ليكونوا أعضاءً في لقاء سنوي مهمته الأساسية العمل على توحيد الأمة من خلال برامج وتوصيات سنوية أثناء الحج.
ثانياً: أن يعتبر المؤتمر أن الهدف الأساسي للمسلمين وفي هذه المرحلة بالذات، هو توحيد العدو، ودعم حركة المقاومة في وجه الظلم والاستكبار لا سيما الإسرائيلي الأميركي، تحريم أي اقتتال أو نزاع أو تحريض في داخل الساحة الإسلامية ومذاهبها وقواها.
   ثالثاً: أن ينشأ صندوق للتبرعات من أجل دعم شعبنا المسلم المظلوم في فلسطين، ومقاومته المخلصة.
وأخيراً أود أن أقول أن الاستكبار الأمريكي والإسرائيلي قد فشل في الحرب مع شعبنا المسلم، وإن الشعوب الإسلامية تتحفز لمن يدلها على طريق المقاومة والعزة والإيمان، وهذا هو دور العلماء الأحرار، {قد تبين الرشد من الغي، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم}.
   والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله.

أعلى الصفحة