|
بسم الله الرحمن
الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وأله الطيبين الطاهرين
وأصحابه المنتجبين وبعد:
الحج كما هي تجربتي العملية من خلال أداء هذه الفريضة لا يمكن لأي واصف لها
أو كاتب فيها أو عنها مهما أوتي من براعة في التعبير ومهما أوتي من علم
إظهار الصورة وإبراز المعين لا يمكن لأحد أن يأتي بها على وجهها الحقيقي بل
سيبقى قاصراً في إخراج الحقيقة كاملة لأن في ممارسة هذه العبادة لذة تعاش
فعلاً ولا تُنقل على الورق حبراً..
لقد قرأت عن هذه الفريضة قبل أن أؤديها وشاهدت الصور الحية تنقل عبر
وسائل الإعلام المرئية فضلاً عن المسموعة، وكذلك سمعت ممن أقامها وقام بها
فلم أجد من خلال ذلك كله مقارنة بالحقيقة الممارسة أداءً وفعلاً والمعاشة
على أرض الواقع فكراً وإرادة وروحاً لم أجد هذه المقارنة إلا بمستوى الجسد
الحي الذي يملك الإرادة والحركة والوعي وبين الصورة الحاكية عنه أو المجسم
الذي ينقل شكله فحسب دون أن يمتلك الحياة ومتطلبات الحياة من الوعي
والإرادة والحركة.
لشَّد ما افترقت الصورة الجامدة والكلمة الساكنة مع حركة الحاج في تلك
الربوع الكريمة، إن في القيام بالتفاصيل وبكل تلك المفردات والحركات مع
المسلمين الوافدين من كل فجٍ عميق وفي أماكن معدودة وأوقات محددة مع نداءات
الاستغاثة وصرخات الفقر والحاجة وما تحمله القلوب الوالهة العاشقة التي
تكاد تخرج من محلها شوقاً إلى رحمة الله وعفوه وكرمه وجوده.. إن ذلك وغيره
يجعل الصورة باهتة ويفقدها الكثير من خصائصها الجمالية التي كانت تتمتع بها
قبل المقارنة أو الممارسة لهذه العبادة.
بعد مكة يعرج الحاج على " طيبة" حيث قبر الحبيب المصطفى والأئمة من
أبنائه و الصحابة البررة الذين حملوا معه الدعوة وقدموا أنفسهم فداء هذا
الدين، وماذا أقول في طيبة وكيف أصف الحال وهل أملك جرأة البوح بالمستور
والأسرار وما يعيش في الوجدان ، اكتفي أنها قباب الحبيب سبقت رؤيتها عبرات
الشوق ووجيب القلوب الظامئة للوقوف في حضرة النبي المصطفى(ص) كي تجدد به
عهداً وعن قرب وتعطيه بيعة جديدة حال الزمن قديماً دونها ولكنها توفرت الآن
بالوقوف على تلك الأعتاب المباركة الكريمة..
في المدينة المنورة قبر رسول الله وإليه تُشّد الرحال.
في المدينة المنورة حكاية الإسلام والإيمان والدعوة والجهاد.
في المدينة المنورة قصة تحويل الصحراء المحدبة القاحلة إلى واحة خضراء
معطاء تشع منها أنوار السماء لتضيء لهذا الإنسان دروب الحياة وتحمله برفق
ورقة إلى حيث الطريق الموصل إلى الله عبر سفيره المصطفى وبما تلّقاه من
خطاب الرحمن وبصيغة القرآن.
قلة والمدينة ثنائي لم يشفع بثالث فيهما الخير والبركة والنور والهداية
والإيمان.
مكة والكعبة الشريفة:
مكة هي البلدة الطيبة التي فيها الكعبة المشرفة التي يتوجه إليها
المسلمون في صلاتهم من سائر أقطارهم وأمصارهم.
وأول من عمر مكة وأهلها للسكنى إبراهيم خليل الرحمن حينما وضع ابنه إسماعيل
وزوجه هاجر أم إسماعيل في ذلك المكان بأمر من الله وقد قص القرآن ما قاله
إبراهيم عندما وضعهما في تلك البقة المباركة { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ
مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ
تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَشْكُرُونَ} {إبراهيم/37}
إن وراء وضع إبراهيم لزوجه- هاجر وابنها إسماعيل- هدفاً كبيراً يتجلى
في اختيار البقعة المباركة بل أقدس بقعة وأطهرها على وجه الأرض- بيتك
المحرم- إنه بيت الله المنسوب إليه تشريفاً وتكريماً والمحرم الذي يجب
احترامه وتقديسه ولا يجوز هتكه أو الاعتداء فيه... إنه- محرّم- يحرم على
الناس فيه ما كان يجوز في غيره حتى من اعتدى وجنى ثم التجأ إليه حرم إخراجه
وأخذه بالعنف والقوة.
وأيضاً هناك هدف رفيع جليل من وراء وضع إبراهيم لأبنه وزوجه هاجر أم
إسماعيل- إنه هدف- إقامة الصلاة- بما تعني من خضوع وخشوع وعبودية لله
وإخلاص وطاعة وصلة بالله... لم يكن وضع إبراهيم لذريته في تلك البلاد القفر-
غير ذي زرع- إلا من أجل أهداف سامية رفيعة تؤسس لمستقبل التوحيد ولتصبح مكة-
البلد القفر- قبلة للعالم يتوجه إليها كل موحّد يؤمن بالله ويتبع إبراهيم
ومن سار على نهجه واقتدى بهداه...
فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم:
ويستجيب الله نداء خليله إبراهيم ودعاءه- وبدون تأخير- تدب الحياة في
ذلك المكان حيث يخرج الماء من بئر زمزم فتزحف قبيلة جرهم من مكانها-
وتستوطن في مكة ثم تبتدأ حركة الحياة في ظل ذلك الطارئ المتغير- الماء-...
هذه الحالة الطارئة التي زحفت جرهم من أجلها وإن كانت مهمة ولكنها صغيرة
ومحصورة في سكان تلك البلاد المقفرة.. وإبراهيم يريد من القلوب الطيبة في
كل زمان ومكان أن تتشّوق إلى تلك الديار وتحنّ إليها وترنو من بعيد بلهفة
إلى الوصول إليها... إنه عليه السلام يريد للقلوب أن يكون منها عشقاً إلى
مكة وهوى يدفعها ذلك إلى قصدها وزيارتها والوقوف في ربوعها واستنشاق عطرها
وشم نسيمها الروحي ولذا كانت- الكعبة- بيت الله في وسط هذه البقعة الطيبة
من هذه البلدة المباركة؟
دعاء مستجاب:
{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ
أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ
إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } {البقرة/126}.
يتطلع إبراهيم في دعائه إلى أهم عناصر الحياة السعيدة وهي:
1- الأمن: (رب أجعل هذا بلداً آمناً) والأمن والاطمئنان من أهم عناصر
الحياةالكريمة فالمهدد في وجوده أو موجوده لا يستقر ولا يرتاح يعيش القلق
والهم والغم ويفقد السعادة ومن هنا في الدعاء " اللهم آمنا في أوطاننا" وفي
الحديث: ( نعمتان مجهولتان الصحة والأمان).
2- وارزق أهله من الثمرات... أن يفتح عليهم باب الازدهار الاقتصادي
والمعيشي حتى يعيشوا في سعادة ورفاهية- والثمرات- يصح أن تُعمّم لتشمل
الثمرات المعنوية والروحية وبهذا ورد الحديث عن الإمام الصادق عليه
السلامحيث قال: " هي ثمرات القلوب" إشارة إلى قوله تعالى: { فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ }.
ومن ذكر الأمن أولاً نفهم أن الازدهار الاقتصادي لا يكون إلا مترتباً على
الأمن والاستقرار كي تتحرك عجلة الاقتصاد وتنمو فيضع التجار وأصحاب رؤوس
الاموال والناس أموالهم في الاستثمارات مطمئنين إلى بقائها والاستفادة منها.
وأيضاً لإبراهيم دعوات كريمة يتوجه بها إلى الله بعد أن يرفع قواعد الكعبة
الشريفة تأتي إن شاء الله.
إبراهيم يرفع قواعد البيت الحرام:
" بيت الله" و " البيت الحرام" و " الكعبة" و " والبيت العتيق" هي البُنية
التي في مكة زادها الله شرفاً يتوجه إليها المسلمون في صلاتهم ويؤدون إليها
حجهم، ويوجهون نحوها موتاهم وهكذا.
كانت هذه الكعبة منذ تكونت الأرض ففي السماء تحت العرش " الضراح" أو البيت
المعمور وفي الأرض المقابلة للضراح بيت الله الحرام.
إنه مكان مقدس مطهر نسبه الله لنفسه- بيت الله- وجعله أقدس بقعة في الارض.
إنه أول بيت وضع للناس { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي
بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} {آل عمران/96}
بناه آدم وحجه ثم حج الأنبياء من بعده ولكن عوامل الزمن وطوارئ الأيام
وما مَّر على هذه الأرض من كوارث هدمت البيت وصدّعت أركانه وحولته إلى أثر
بعد عين ولكن الله عندما يختص بعض عباده بكرامته يرصدهم للقيام بمراده
وتحقيق إرادته وقد أمر الله نبيه إبراهيم الخليل أن يقوم بتجديد بناء بيته
الحرام وعمارته وإعادة تشييده كما كان في زمن آدم عليه السلام ولذا صدر
الأمر الإلهي إلى إبراهيم أن يعيد بناء البيت الحرام.. إن إبراهيم يريد أن
يلبي أمر الله فلذا يترك الشام ويخرج منها إلى مكة قاصداً زيارة ولده
إسماعيل وزوجه هاجر أم إسماعيل ومع الزيارة هناك مهمّة عظيمة يريد إنجازها
آلا وهي إعادة بناء بيت الله الحرام.
دخل إبراهيم مكة وهو يحمل بشرى عظيمة لزوجه وابنه اسماعيل، اخبرهما
بالمهمّة، ففرحا بهذه البشرى واطمأنا إلى حكمة إبراهيم وهدفه العظيم.
أسرع إسماعيل الولد البار بأبيه إلى الاستجابة وابتدأ الوالد والولد بعمارة
بيت الله، إسماعيل يناوله الاحجار وابراهيم ياخذها منه ويضعها في محلها
وهكذا مدماك فوق مدماك الى ان انتهى من عمارتها وأكمل بناءها، انه عمل كبير
وعلى الله كريم.
وينزل القرآن الكريم على نبيه يذّكره وأمتَه بهذا العمل المبارك الذي
قام به ابراهيم وابنه اسماعيل فيقول: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ
الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا
إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }{البقرة/127} .
ان القرآن يذكر امة النبي ان يتذكروا عمل ابراهيم العظيم حيث رفع هو وابنه
اسماعيل صرح هذا البيت الكريم.
إن الاية تحكي بوضوح أن إبراهيم يرفع القواعد والارتفاع أحد الأبعاد
الثلاثة للجسم فالاساس كان موجوداً وإنما جاء إبراهيم ليرفع عليه هذا البيت
الكريم.
بالاضافة إلى ذلك فإن قول ابراهيم { رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن
ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ }{إبراهيم/37}.يكشف
ان وضع اسماعيل وامه كان عند بيت الله الحرام فكان قبل قدومهما وهما نزلا
عنده.
وأوضح من كل ذلك واصرح قوله تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ
لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} {آل عمران/96} .
إن ابراهيم يرفع قواعد البيت مع اسماعيل ومع ارتفاع البيت يرتفع صوت
إبراهيم معلماً للمسلمين (ومن عمق القلب): {ربنا تقبل منا انك أنت السميع
العليم } اننا عملنا بأمرك وطاعة لك والتزاماً بحكمك فاجعل نياتنا خالصة
لوجهك وعَملنا مقبولاً عندك إنك انت السميع لدعائنا العليم بنياتنا ثم
يسترسل ابراهيم بدعائه لنفسه ولولده ولذريته " ربنا واجعلنا مسلمين لك"
احفظ علينا إسلامنا فيما يأتي كما حفظته علينا فيما مضى.
" ومن ذريتنا أمة مسلمة " إنه عليه السلام أخذ ينظر الى مستقبل الحياة وما
يمكن أن يكون عليه أولاده الذين يأتون من بعده فدعا لهم أن يكون منهم امة
مسلمة على طريقته وفي خطه ويكملوا الشوط من بعده.
اكمل ابراهيم بناء بيت الله ووقف عليه ينادي بالحج إليه كما أمره الله في
قوله: { وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }{الحج/27}.
إنه اعلام بببدء تشريع جديد... وأي تشريع.. أنه هو الحج... إنها
دعوةإلهية لهذا الانسان من اجل أن يقصده في بيته ويدعوه ويخشع له... إنه
تجديد في النداء من أجل أن يستمع هذا الانسان فيستجيب.
وفي الحديث عن أحدهما: الباقر أو الصادق عليهما السلام:" إن إبراهيم
أذّنَ في الناس بالحج فقال: " أيها الناس إني إبراهيم خليل الله، إن الله
أمركم أن تحجوا هذا البيت فحجوه فأجابه من يحج إلى يوم القيامة".
وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لما أُمر إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام ببناء البيت وتم بناؤه قعد إبراهيم على ركن ثم نادى هلم الحج
فلو نادى هلموا إلى الحج لم يحج إلا من كان يومئذٍ إنسياً مخلوقاً ولكنه
نادى هلم فلبى الناس في أصلاب الرجال: " لبيك داعي الله عز وجل لبيك داعي
الله" ، فمن لبى عشراً حج عشراً ومن لبى خمساً يحج خمساً ومن لبى أكثر من
ذلك فبعدد ذلك ومن لبى واحداً يحج واحداً ومن لم يلبِ لم يحج.
لقد استجاب المسلمون لنداء إبراهيم... استجابوا ولبوا من كل بلادهم
البعيدة والقريبة، جاؤوا يحدوهم الشوق إلى بيت الله ومقام إبراهيم وكل ما
في مكة من طهر.
جاء المسلمون من كل أقطارهم وفوداً تؤم هذا البيت قاطعة المسافات البعيدة
بعضهم مشياً وبعضهم ركوباً.
إن من ينظر إلى وفود الحجيج في مكة يكتشف صدق الاستجابة لنداء الخليل
ابراهيم ولحبيب الله محمد (ص) حيث تجد من كل الأجناس والألوان والقوميات
والفئات.. تجد العربي والاعجمي، من العراق والحجاز ومصر وسورية إلى تركيا
وأوروبا وأميركا واستراليا وهكذا لا تخلو بلد إلا ولها سفراء استجابوا
لدعوة إبراهيم واتبعوا محمداً في هذه الفريضة.
إن صورة الحجيج يعجز عن رسمها أبرع الفنانين.. صورة طبيعية ومشهد حي
لا يمكن أن تحكيه ريشة صامتة فاقدة للحياة كما لا يمكن أن تنقله صورة جامدة
مهما أُضفى عليها من مسحات الجمال والذوق الرفيع والاحتراف الفني القدير،
صورة تختزنها الذاكرة وتعجز عن نقلها فتبقى في عمقها لا يمكن الوصول إليها
إلا بمشاهدتها حية والوصول إليها حساً. |