الفهرس

مجلة الوحدة الاسلامية للمراسلة

 

كلمة مفتي الهرمل
سماحة الشيخ علي طه

بسم الله الرحمن الرحيم

   الحمد لله رب العالمين والصلاة والسـلام على النبي المصطفى وأله الأبرار وأصحابه الأخيار وعلى جميع أنبياء الله والمرسلين .
الأمة والوحدة:
   قبل أن نبدأ، وقبل الولوج في الحديث عن أهمية الحج إلى بيت الله الحرام والعلاقة في هذه الفريضة الإلهية وأسس العقيدة، أو القيادة أو المرجعية وأي موضوع من الموضوعات، لا بد لنا من الإجابة على سؤال مهم جداً، وهو: هل أن الوحدة ضرورة للأمة؟ أم أن الأمة تتمكن من أن تكمل طريقها، ومسيرتها بدون هذه الوحدة، وصعوبات الطريق إليها، وبدون أن تدفع الأثمان الغالية لتحقيقها، ليواجه أهل الوحدة ودعاتها وأنصارها أعداء هذه الوحدة، ساعين لتفشيل العاملين لها؟
   في الجواب نقول: مما لا شك فيه أن الوحدة من الضروريات للأمة كما أمر الله، في النص الأعلى، الذي هو كتاب الله، وكما وجه رسول الله (ص) الأمة في حديثه الشريف، فالأنبياء والرسل دعاة الوحدة، والوحدة بينهم تتمثل في كل ما قلوه وما عملوه { لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }{البقرة/136} {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} {البقرة/138}.
الإنسانية في نظر القرآن الكريم أسرة واحدة، وحقيقة واحدة، المساواة بين البشر تامة، بمختلف أجناسهم وأصولهم، وبين أفرادهم وجماعاتهم؟؟ { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }{الحجرات/13}، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، كما يقول الرسول الأعظم (ص) ولا لاحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر إلا بالتقوى.
هذا هو مقياس التفاضل عند الله تعالى، وليس الطبقة الاجتماعية ولا الغنى، أو الحسب والنسب.
   وبهذه المفاهيم العبقرية يصنع الإسلام العظيم الوحدة بين شرائح المجتمع كافة، وخصوصاً أهل الإيمان، على قاعدة الولاية بين المؤمنين والمؤمنات { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } {التوبة/71} والرحمة رحمتان، رحمة دنيوية على صعيد الحياة الاجتماعية، ورحمة أخروية.
   وبهذا يمكن القول إن الوحدة بين المسلمين هي الفريضة الأم، تنفيذاً للأمر الإلهي: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ } {آل عمران/103} { وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } {الأنفال/46}.
وما ذكره المفسرون في معنى حبل الله، ليس فيه تضارب، كما يظن البعض، بل هو يعني كل وسيلة للارتباط بالله تعالى إلى سواء أكانت الإسلام، أم القرآن، أم آل الرسول (ص).
   وإذا كان تساوي الناس في التفكير والفهم غير ممكن، كما في تفسير المنار، وأن هذا الاختلاف يعتبر طبيعياً ومتطابقاً مع الفطرة الإنسانية، إلا أن أشد أنواع الاختلاف والتشتت، هو ما يعتبره الشيخ محمد عبده، أشد الأشياء ضرراً على البشر، هو الاختلاف بمعنى النزاع والتعصب المذهبي والعقائدي الذي يؤدي إلى فناء المجتمعات البشرية...
   ومن أبرز معالم الوحدة، ومعالم الطريق إليها هو الالتزام بجماعة الأمة، وهذا معناه الاعتصام بحبل الله، وقد قال (ص): كما في كنز العمال للمتقي الهندي: " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" وقال (ص): " جماعة أمتي أهل الحق وإن قلوا". وعن علي (ع): " إن القليل من المؤمنين كثير".
   ومن الواضح أن الوحدة من ضروريات الاجتماع السياسي الإسلامي، والأمر الإلهي، في آية الاعتصام توجه إلى الجميع، أي كافة أفراد وجماعات المجتمع الإسلامي، ليعتصموا " جميعاً " بحبل الله، ليوجدوا المجتمع الواحد الموحد، وهذا التكليف جماعي عام، وليس فردياً ، وهو لا يتحقق إلا على مستوى الجماعة، كما أشار العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان.
ويرى (ابن كثير الدمشقي) في تفسيره أن " كل من يعمل لتفريق صفوف المسلمين هو من أهل البدعة والشبهة، ومن أهل الضلال" ويدعو على عزل هؤلاء عن الأمة" ويقول: " إن كل من يثير الفرقة والاختلاف في صفوف المسلمين يعتبر من مصاديق " كانوا شيعاً" إشارة إلى قوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }{الأنعام/159}.
   من المعلوم أن أعداء هذه الأمة وهذا الدين، يدركون أن وسيلتهم الفضلى لتحقيق أهدافهم الآثمة والسيطرة الفكرية والثقافية، والسياسية ما هي بالعمل على" بث الفرقة وتضعيف المذاهب والدين- كما يقول الشيخ محمد عبده- وهي من الدسائس الخبيثة التي حاكها الأجانب في بلاد المسلمين، وفي الوقت الذي يدعو فيه الإسلام جميع أبناء البشر إلى الوحدة الحقيقية...ويرى أنه في ظل الوحدة يتحقق تقدم المسلمين وعزتهم وكرامتهم".
   ويؤكد الإمام الخميني (قده) على نفس الأمر، فيشير إلى سعي أعداء هذا الدين من أجل إثارة التفرقة والخلافات، وفصل بلداننا عن بعضها، وتشتيت صفوف الشعوب الإسلامية، بالإضافة إلى اتفاق بعض الحكام مع الصهاينة لتنفيذ المخطط السياسي الكبير ضد الإسلام والمسلمين.
   أما بخصوص المذاهب وتعددها فإننا نقول:" ليس المطلوب إلغاء المذاهب الفقهية" أو دمجها ببعضها أو الأخذ بمذهب معين وترك الباقي، بل المطلوب هو فهم المذاهب على أساس أنها مدارس في فهم الدين وليست ديانات مستقلة معدَّة للاستثمار السياسي وغيره، وعندما تنزع عن الطوائف والمذاهب الصبغة السياسية، ولا يتعامل معها على أساس أنها أحزاب سياسية ( متخلفة) أو أنها الحزب الأم لأحزاب الطوائف عند ذلك تتحول من تيارات فكرية وثقافية وفقهية، فتتقارب المذاهب عند ذلك, وفقاً للقاعدة القائلة: " لو أنهم تقاربوا لتفاهموا، ولو تفاهموا لذهب الاختلاف ولو فرضنا العكس، فإن الموقف هو ما قاله الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف
واختلاف الرأي، في كل الحالات ينبغي أن لا يفسد للود قضية.
والحمد لله رب العالمين

أعلى الصفحة