البحث الأول

سماحة الشيخ محمد شحرور

 

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وسلم

إن ما جرى يوم العاشر من محرم في أرض كربلاء عام 61 للهجرة يفوق حد المأساة، ما جرى هناك يصل إلى أقصى درجات الانحراف وهتك الحرمات، فشهيد كربلاء هو الحسين (ع) ابن علي ابن فاطمة ابن بنت رسول الله (ص).

الحسين الذين نراه في القرآن – في آية التطهير وفي آية المباهلة – وفي آية المودة (القربى) – الحسين الذي قال رسول الله (ص) عنه وعن أخيه الحسن (ع): "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"، "الحسن والحسين ريحانتي في الجنة"، "هذان ولداي إمامان قاما أو قعدا"، "حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا".

ومع كل هذا لننطلق كي ندرس الظروف المحيطة بالثورة الحسينية.

فعندما يحاول الفرد منا أن يغوص في التحليل للنهضة الحسينية يرى بأنه مهما حاول من جهد وبذل من قدح الفكر، يجد أن الكثير الكثير من المعطيات تفرض نفسها على الحاضر كما كانت تفرض نفسها على الماضي فتنطلق التحليلات للتخطى حدود الزمن وتعيد الفكر إلى أبعد من ثورة مكانية لتصبح عاشوراء حركة الحق ونهضة الإسلام كله في مواجهة الانحراف كلّه وتصبح القصة هي قصة الإنسان الحر الذي يرفض كل أشكال التعدي والمظلومية وكل القهر والحرمان، فكلما كانت القضية قضية حق في مواجهة الباطل ترى فيضاً كربلائياً، وكلما كانت حركة صراع من أجل إحقاق الحق تتجسد معاني الفداء والتضحية بكل أبعادها المستمدة من القرآن والسنة والعترة.

فالواقع الاجتماعي والسياسي الذي كان يسود الأمة زمن معاوية قد فرض حالة من الخوف على مصير الرسالة وكان لا بد من تغيّر الواقع غير أن المسألة ما كانت لتتم في تلك المرحلة، وحتى لا يقول قائل لماذا لم يقم الإمام الحسين (ع) بالثورة في زمن معاوية بالرغم من حالة الظلم والطغيان التي كانت قائمة آنذاك؟ فنقول أنه وبالرغم من أننا نعلم علم اليقين بأن الإمام لا بد وأن يكون من أكمل أهل زمانه علماً وفقاهة ودراية وتقوى وفضيلة وما إلى هنالك من كمالات نفسانية وعقلية، غير أننا نستطيع أن نستشعر بعض الشيء من الظروف المحيطة بالواقع الاجتماعي والنفسي للأمة:

أولاً:     لقد كان بين الإمام الحسن ومعاوية عهد صلح فيه ما فيه من شروط ومواثيق وهذا الصلح كان أحد أسباب عدم الثورة فبالرغم من عدم وفاء معاوية بشروط الصلح غير أن سجية الحسين (ع) كانت تفرض عليه الوفاء.

ثانياً:    معرفة الإمام الحسين (ع) بأن معاوية لم يكن بالجاهل سياسياً إلى حد يتيح للإمام بأن يثور فينزع عنه لباس الشرعية الذي اكتسبه بعد الصلح مع الحسن.

ثالثاً:     إن معاوية كان يحر ص على إسباغ مسحة الدين على حكمه وسلوكه وتصرفاته أمام العامة مما جعله يكتسب عند الكثير منهم جانباً من الشرعية.. فلو ثار الإمام الحسين والحال كذلك لوجد معاوية مبررات عدة لقتله وتحريف أهداف الثورة بل يمكن أن يعطيها طابع نقض العهد والميثاق، وقد كتب معاوية في تأكيد ذلك الميثاق أكثر من كتاب للإمام الحسين (ع) أعرضنا عن ذكرها منعاً للإطالة.

رابعاً:   إن الإمام الحسين (ع) ترك للأمة أن تعي أفعال معاوية وتصرفاته بعين البصيرة، فكان كل حدث يحدثه معاوية يجد صدى عند أهل المدينة فيتناوله أكابر القوم فتصبح الأمة أكثر وعياً وإحاطة بما سيجري من أحداث فيما لو وقعت بعدها... بيد أن الإمام الحسين (ع) وإن لم يثر زمن معاوية – غير أننا نؤكد أن الإمام (ع) أعلن الثورة على يزيد في زمن معاوية وهذا ما نستشفه من كتابه الذي أرسله إلى معاوية حينما طلب منه (الأخير) البيعة ليزيد – فقد حاول معاوية أن يثبت يزيداً في الحكم وذلك بعد أن أخذ له البيعة من بعض القوم وواجه معاوية في ذلك من لم يرض بهذه البيعة؛ وقد حاول معاوية أن يلتف على عهد الصلح مع الحسن (ع) بأخذ البيعة من الحسين لولده يزيد، ومن جملة الكتب التي كتبها الإمام الحسين في الرد على هذه المحاولة قوله (ع) في أحد الكتب: "وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد (ص)، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عن التهارش، والحمام السبق لأترابهن والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً. ودع عنك ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه حتى ملأت الأسقية وما بينك وبين الموت إلا غمضة.. الخ.

ولم تنجح محاولات معاوية لأخذ البيعة ليزيد فمات والحال على ما هو عليه من أنكار الحسين (ع) للبيعة ليزيد.

وأما حال يزيد فكان أكبر همه تلهفه في أخذ البيعة من الذين أبوا على أبيه وأنكروا البيعة له في حياة معاوية فكتب إلى الوليد بن عتبة وهو والي المدينة آنذاك كتاباً يخبره بموت معاوية وآخر مما جاء فيه: "أما بعد فخذ حسيناً وعبد الله بن عمر وابن الزبير بالبيعة أخذاً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام". وعندما وصل الكتاب إلى الوليد جرت بينه وبين الإمام محادثة بحضور مروان بن الحكم الذي أصرّ على أخذ البيعة قائلاً للوليد: "لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ولكن احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه". فوثب الإمام (ع) عند ذلك وقال: "ويلي عليك يا ابن الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي كذبت ولؤمت" ثم أقبل على الوليد فقال (ع): "أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق فاجر شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله".

بهذه العبارات كان الشعار الأول للثورة فلا بد من تحديد الثائر والعدو، فالقضية قضية حاكمية الأمة وموقع الحاكم هو موقع خلافة رسول الله (ص) فقد شخّص للأمة شخصية الحاكم الذي يراد أخذ البيعة له وأنه يمثل حالة الانتماء التي ترفض كل حاكم منحرف متسلط بغير حق فيحدد من خلال ذلك الانتماء الطبيعي للإسلام ولرسول الله وأنه هو الذي درج وتربى مع رسول الله وهو الذي يمثل موقع القيادة للأمة وهو صمام أمانها من الانحراف بها، فهو الإمام في كل ظروف حياته، حيث أننا نرى أن الإمامة هي الامتداد الطبيعي لحركة النبوة، فهي الأيدي الأمينة التي أوكل إليها مهمة حفظ الرسالة وصيانتها، وهي التي تمثل الحق كله في مواجهة أي حركة انحراف، فإذا عشنا مع الإمام الحسين بهذه الروحية فإننا سوف نتعرف إلى حجم المسؤولية التي تفرض نفسها فيما هو واقع المجتمع والأمة لذلك عندما يقول الإمام: "مثلي لا يبايع مثله" أي المثلية بما أمثل لا بالنسب فحسب وهو الشرف الأكبر، لكن القضية قضية واقع الإمام الذي لا يخفى على الأخوة الأفاضل، فأترك التفصيل فيه منعاً للإطالة.

لكن ليس صحيحاً أن نقول أن ثورة الإمام توجهت إلى شخص يزيد لشخصانية بحيث تصبح الثورة مجرد انقلاب على شخص الحاكم القائم على رأس النظام دون النظر إلى حيثيات الأوضاع التي خلّفها النظام الفاسد بكل أبعاده، فمن هنا لا يمكن أن يكون إسقاط الحاكم هو الهدف الأساسي لثورة الإمام (ع) وإنما الهدف حركة تغيير شاملة لكل الأفكار والتحولات الشاذة التي تحتاج إلى تغيير جذري في عمقها واستراتيجيتها وهذا ما يجعل ثورة الإمام الحسين ثورة دفاعية عن القيم والمبادئ والدين والشريعة. فها نحن أمام شعار آخر من شعارات الثورة: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر".

فالملاحظ هنا أن الإمام (ع) قد وضع عناوين للثورة حتى تكون هذه العناوين عناوين كبرى في كل حركة صراع ضد الظلم والفساد والانحراف وحتى تعي الأمة المسؤولية الكبرى التي تطالب بها فهو أولاً يطرح شرعية المعركة من خلال عناوين إسلامية ترتبط بواقع الأمة من حيث أن البيعة والركون للظالمين فيه مفسدة للعقيدة وإذهاب للشريعة، وهكذا كان الشعار التالي: "لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً".

لم يكن الحسين (ع) يملك غاية خاصة ولا لديه ثأراً شخصياً تجاه يزيد، ولم يكن لديه أي طمع بسلطة أو جاه أو نفوذ وهو ما هو عليه من الموقعية والقرابة لرسول الله وشأنه ما هو شأنه في الأمة، ولم يكن مفسداً فيما هو حال الإفساد بتفريق الأمة وتمزيقها، ولم يكن الحاكم الذي استولى على السلطة عادلاً ليُظلم بفعل الثورة ضده. لذلك نرى في طرح شعار: "لم أخرج أشراً.. الخ" توضيحاً لكل الحاضر الموجود آنذاك والمستقبل القادم أن هذه الحركة الجهادية إنما انطلقت للإصلاح الذي يشكل استقامة في إدارة شؤون الأمة سياسياً اجتماعياً عقائدياً ثقافياً وما إلى ذلك مما يشكل عنصر الاستمرار والديمومة لخير أمة أخرجت للناس. فكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واحداً من شعارات ثورة الحسين (ع) ولا يخفى ما بهذا الشعار من مضامين تصلح لتكون ميثاقاً لكل الأحرار على مدى العصور.

فهذا المنهج الرسالي الداعي كي تكون الحاكمية للإسلام الصافي المندرج تحت عنوان رسول الله بقيادة سبط النبوة لا بعنوان الرغبة في السلطة وهو ابن علي الذي يقول لابن عباس وهو يشير إلى نعل يخصفها: "إن أمرتكم هذه لا تساوي عندي قيمة هذا النعل إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً". والشعار التالي الذي يقول فيه: "أيها الناس، إن رسول الله (ص) قال: "من رأى منكم سلطاناً جائراً (السلطان عنوان الدولة)، 2- مستحلاً لحرم الله (حرم الله هي العباد والبلاد وسياستهم وإدارة شؤونهم)، 3- ناكثاً بعهده (عهد الله إني جاعلك للناس إماماً...)، 4- مخالفاً لسنة رسوله، 5- يعمل بعباد الله بالإثم والعدوان، 6- فلم يغير عليه بفعل أو قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله".

هذا الكلام عن رسول الله (ص) يُظهر كون الحركة التي يقوم بها الإمام إنما هي تفاعلات الرسالة وروحيتها كي لا يلتبس على البعض اللبس وبعد ذلك أخذ أيضاً يبين الواقع الذي آلت إليه أمور الحكام فيقول (ع): "ألا وإن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلوا حرام الله وحرّموا حلاله وأنا أحق من غيّر". لذلك عندما يصبح التغيير حتمياً على الأمة لا بد وأن يكون من يقوم بالتغيير يعيش الحق في كل تفاصيل وجوده ومن أولى بذلك من الإمام الحسين (ع).

يزيد لا يمثل السُّنة

وفي الختام:

عندما نؤكد إسلامية عاشوراء ونتفاعل مع القضية كونها قضية الحرية وحركة مواجهة المنحرفين والطغاة والمستكبرين بكل أبعادها في واقع الأمة بحيث تتفاعل القضية مع كل مسلم سواء كان سنياً أم شيعياً، فيعيش المسلمون عناصر القوة والتحدي في معركة كربلاء وكي تتحول المأساة إلى حركة دائمة لرفض الظلم من خلال المسؤولية الشرعية التي نتحملها نحو أمتنا وحفظ رسالة الإسلام العزيز من كل الحكومات المنحرفة، فليس من الصحيح أن ننظر إلى مأساة الحسين بعين الدمعة فحسب، فالدمعة مطلوبة والعاطفة تحفظ للمأساة روحيتها، فنحن عندما نذكر المصرع الشريف نرى كيف كان الفداء والتضحية وبذلك المهج هيناً أمام حفظ الرسالة. تصور نفسك تحمل طفلك الرضيع يتلوى من العطش تطلب له شربة ماء فلا تجد له إلا حر السهم يذبحه من الوريد إلى الوريد يفرفر بين يديك كالطائر المذبوح... تخيل نفسك وولدك البكر يقطع بالسيوف إرباً إرباً... شقيقك ابن شقيقك، أصحابك... وفي النهاية تصور سبي نساءك. فما حصل في عاشوراء ليس مأساة عادية، ما حصل في كربلاء هو هتك لحرم رسول الله، الحسين ابن رسول الله يذبح، زينب بنت فاطمة الزهراء يهتك سترها ويسلب حتى خمارها وتشتعل النار بأذيالها وتسبى من بلد إلى بلد. كل تلك التضحيات كانت لأجل أن تبقى الرسالة المحمدية وتبقى الشريعة حاكمة على كل تفاصيل الحياة.

بعض الناس يقول أن مجالس العزاء يثير حالة استفزازية وهذا خطأ فادح فمن يقول هكذا مقولة لا يعي بأنه يضع نفسه في خط القتلة ومن دون قصد يوجه لنفسه تهمة الرضا بفعل القوم الذين هتكوا حرم رسول الله واستحلوا دم الحسين فيظهر وكأن الحسين للشيعة فقط وأن السنة "وهم ليسوا كذلك قطعاً" أنصاراً ليزيد.

هذا الوهم لا بد وأن يتضح للأمة، هذه الضبابية لا بد وأن تُزال ليصبح الاحتفاء بالذكرى مطلباً سنياً كما هو دأب شيعي، فما الذي يمنع السنة من إحياء ذكرى عاشوراء أو أليس الحسين عزيزاً على قلوبهم... أليس الحسين سيد من سادات أهل الجنة، أليس الحسين سبط رسول الله، أليس الحسين عند الأخوة من أهل السنة ولياً من أولياً الله الصالحين. ألا يكفي هذا ليكون مصرع الحسين عنواناً للحزن والعزاء عند المسلمين عامة؟ فضلاً عن ذلك ألا يعتبر يوم وفاة رسول الله فاجعة على المسلمين... لقد انقطع الوحي وارتفع أحد الأمانين اللذان كانا لأهل الأرض، ففي الآية الشريفة (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم .....).

نعم الحسين للأمة الإسلامية جمعاء وهذا ما لا بد وأن يجهر فيه أهل السنة أيضاً، وكم أكبرت مقولة قالها أحد الأخوة من علماء السنة في الجلسة الماضية، وإني على يقين وبما أعهده فيه من الصدق قولاً وعملاً أنه قالها من أعماق قلب مؤمن صادق، فعندما قال: إننا نبرئ إلى الله تعالى من الذين حاربوا سيدنا الحسين (ع) وتحزن قلوبنا لما جرى عليه وعلى أهل بيته فهو سيد شباب أهل الجنة... الخ. ما قال نعم هذه عقيدة أهل السنة حقاً بالحسين (ع) وهذا ما يجب أن يكون واضحاً بيننا جميعاً. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة          أعلى الصفحة          الصفحة التالية