|
|
البحث الثانيسماحة الشيخ محمد الحمصي |
الحمد لله والصلاة والسلام
على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
تأتي ذكرى وقعة
كربلاء في يوم عاشوراء من كل عام لتجدد
الأسى والحزن على ما جرى لسبط النبي (ص)
وأهل بيت النبوة من جهة، ومن جهة ثانية
لتثير النقاش حول قضية مفصلية ساخنة في
تاريخ الإسلام.
وفي بحثنا هذا
سنشير أولا إلى معالم الحدث ومواقف الناس
من الواقعة في زمانها وعبر التاريخ ثم إلى
الآثار السلبية التي تركتها وإلى الآثار
الإيجابية التي تعتبر بمثابة دروس وعبر
مستفادة منها لنستخلص بالنتيجة الموقف
الشرعي الذي ينبغي أن يجمع عليه المسلمون
من هذه الحادثة. كما سنتبع البحث بملحق
يتناول مناقشة تساؤلات المسلمين حول
ممارسات مجالس عاشوراء وما يجري فيها
وتحليلها والإجابة عنها بحيث توضع الأسس
الشرعية المناسبة موضع الاتفاق من كافة
المسلمين لتحويلها إلى مناسبة إسلامية
جامعة لا تختص بفئة معينة منهم وذلك في
إطار منهج توحيد الأمة الإسلامية وجهادها
لتحرير مقدساتها وانتصارها على أعدائها
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
معالم
الحدث
نحن في عرضنا
لمعالم وقعة كربلاء لن نكرر التفصيلات
الكثيرة المعروفة ولكننا سنستخلص من
الروايات التاريخية الكثيرة
والتي اختلف حولها المؤرخون أن الحسين
عليه السلام مضى إلى الكوفة بناء على دعوة
سادتها ومبايعتهم له عبر عهود مكتوبة وعلى
أن بلاد العراق كلها مهيأة لنصرته. ولكنه
فوجئ مع وصوله إلى مشارف الكوفة بريح
الخيانة وانقلاب الكثير ممن دعوه إلى صف
ابن زياد والي الكوفة من قبل يزيد بن
معاوية فأراد الرجوع إلى المدينة لكن
الجيش الذي حاصره في كربلاء خيره بين أن
يدخل الكوفة مستسلماً صاغراً مبايعاً
يزيد أو أن يواجه القتل في معركة لم يكن
مستعداً لها وغير متكافئة العدد والعدة؛
فاختار ما هو متوقع من سليل الأنبياء
الصابرين المجاهدين وبدل أن يرضى بالبيعة
الذليلة مقابل العيش بسلام فيسجل من موقعه
القيادي في بيت النبوة سابقة إقرار
للمنحرفين على انحرافهم وظلمهم، ففضل
الاستشهاد عزيزاً كريماً ليسجل هو وأهل
بيته وأصحابه أروع ملحمة بطولية
استشهادية في تاريخ الإسلام والعالم تركت
آثارها في جسد الأمة وفكرها حتى يومنا هذا.
مواقف
المسلمين من كربلاء
لقد قسم القرآن
الكريم المسلمين في زمن النبي (ص) إلى
فريقين: مخلصين، ومنافقين. وقد قدر الله
تعالى وقعة كربلاء ليمتحن إيمان المسلمين
وإخلاصهم في محبتهم لرسول الله وأهل بيته
ولكشف أدعياء الإسلام المنافقين الذين
تخالف أفعالهم أقوالهم، ومعرفة ذلك
ضرورية لتحديد طريق الإصلاح. وعلى هذا
الأساس سنقسم مواقف المسلمين من عاشوراء.
- المنافقون:
وينقسمون إلى أصناف شتى نذكر منها:
1-
الخونة: وهم أول من تسبب
بقتل الحسين (ع) وأصحابه لأنهم دعوه إلى
الكوفة وبايعوه على النصرة ثم نقضوا العهد
ووقفوا في صف عدوه طمعاً ورهبة.
2- القتلة: وهم الزبانية المجرمون السفاحون الذين استباحوا دم الحسين (ع) وأهل بيت النبوة وأموالهم وأعراضهم وضاهئوا بني إسرائيل في قتلهم للأنبياء وأبنائهم.
3- الآمرون: وهم الحكام والأمراء الذين أمروا زبانيتهم بفعل فعلتهم الشنيعة حفاظاً على سلطانهم بأي ثمن.
4- المحرضون: وهم أصحاب العصبية القبلية الذين لم يخرج الإسلام من قلوبهم حقدهم على بني هاشم لأن الله جعل فيهم النبوة ولأنهم أطاحوا برؤوس الكفر والشرك فانتهزوا الفرصة للانتقام من ذريتهم.
5- الراضون: وهم الذين وقفوا على مر التاريخ موقف الرضا بتلك الجريمة وإن لم يشاركوا فيها، ومن أغرب أقوالهم أن الحسين بغى وخرج على إمام زمانه فاستحق ما جرى له.
6- المستغلون: وهم الذين استغلوا تلك الواقعة عبر التاريخ من العلماء والسياسيين من كل المذاهب الإسلامية وذلك لبناء مواقعهم ومراكزهم الدينية والسياسية من خلال تزكية نار الفتنة على الدوام.
7- ضعاف الإيمان: وهم عبيد الدنيا، وأكثرهم من فقهاء السلاطين الذين كانوا يؤيدون مواقف الحكام ويفتون بقول الزور وبعضهم يبرر ذلك بأنهم مضطرون خوفاً على أنفسهم وأرزاقهم ووظائفهم ومنهم الذين يوافقون العوام الجهلة المتعصبين في مخالفتهم للشرع حفاظاً على مكانتهم المذهبية ولكي لا يقال أنهم قد خرجوا على المذهب.
8-
الجهلة المتعصبون: وهؤلاء
أكثرهم من العامة والغوغاء الذين لا
يتبعون الحق بل يتبعون الهوى والأشخاص
والفئات فيرتكبون أشنع الحماقات من دون
خوف من الله ونظر في عواقب تصرفاتهم وبعض
الناس يعذرهم ولكنهم كالجهلة من الكفار
والمشركين الذين اتبعوا سادتهم وكبراءهم
فلم يعذرهم القرآن على ذلك وهؤلاء كانوا
على الدوام وقود الفتنة بين المسلمين
لأنهم لم يدركوا حقيقة الإيمان ومحبة الله
ورسوله من خلال تقديم مصلحة الإسلام
العليا وانساقوا وراء أهداف أعداء الأمة
وإرادتهم في تمزيقها وإضعافها.
- المخلصون:
وهم بدورهم ينقسمون إلى فئتين:
1-
البسطاء: وهم من العامة
وأنصاف العلماء الذين حافظوا على محبتهم
وإخلاصهم لرسول الله وأهل بيته، إلا أنهم
ظلوا أسرى لموروثاتهم التاريخية
والمذهبية والفقهية، ولكنهم لم يتجاوزوا
الحدود ويتحولوا إلى وقود للفتنة كالجهلة
المتعصبين.
2- الواعون: وهم قلة من العلماء الصالحين ومن سار في خطهم من سائر المذاهب الإسلامية الذين أدركوا أن محبة الله ورسوله تثبت من خلال تقديم مصلحة الإسلام العليا على كل اعتبار، وهم قلة على مر التاريخ إلا أنهم يبقون المنارة المضيئة من خلال مواقفهم وكتاباتهم لمستقبل الأمة وعلامتهم أنهم لا ينطلقون في مواقفهم من خلال مصالح شخصية أو فئوية ولا يبيعون دينهم من أجل مناصب دينية ودنيوية، وبالتالي فهم يقولون الحق الذي عرفوه من كتاب الله وسنة رسول الله (ص) ولو اتهموا بالخروج على مذهب آبائهم، وقد قل أتباعهم لأن الناس غالباً تحب من يدغدغ عواطفها ولو على حساب الحق والمصلحة العليا للإسلام، ومن علاماتهم تفهمهم لظروف الفريق الآخر وموروثاته التاريخية والفقهية ومحاولتهم الجادة متعاونين لوضع الصيغ التي تجمع الأمة وتضعها موضع التنفيذ، وطرح الشعارات والنشاطات التي تفرق الأمة وتضعفها جانباً.
موقف
أعداء المسلمين
وهنا لا بد من
الإشارة إلى دور هؤلاء عبر التاريخ في
الوقائع التاريخية من زاوية إثارة الفتنة
بين المسلمين وعلى رأس هؤلاء منذ زمن
النبي (ص) كان اليهود وعبر التاريخ كان
هنالك دور للمجوس والتتار والصليبيين
والاستكبار أو الاستعمار الحديث ثقافياً
من خلال المستشرقين وسياسياً وعسكرياً
واقتصادياً حيث راح يثير الفتنة الداخلية
المذهبية والقومية ليسهل له السيطرة على
كل بلاد المسلين بحجة الدفاع عن هذا ضد ذلك
تحت شعار فرق تسد. فهل تنبه المسلمون لهذا
الخطر وخاصة علماؤهم وحكامهم وسعوا بجد
لعدم تحقيق أهداف أعدائهم من خلال طاعة
الله ورسوله وجمع كلمة المسلمين
ومجاهدتهم للباطل والظلم بكل أشكاله.
الآثار
السلبية لوقعة كربلاء
لقد كان لوقعة
كربلاء ولا شك آثاراً سلبية مدمرة على
الأمة الإسلامية ما زلنا نعاني منها حتى
يومنا هذا نذكر منها:
1-
تثبيت سلطة الانحراف
والاستبداد بصورة الملك العضود الذي لا
يحكم من منطلق شرعي ديني، بل من منطلق عصبي
قبلي وراثي متسلط وبذلك تحقق فصل القرآن
عن السلطان أو الدين عن الدولة كما حذر
رسول الله (ص) حين قال: "إن القرآن
والسلطان سيفترقان فدوروا مع القرآن...".
وقال: "تنقضي عرى الإسلام عروة عروة
فأولها نقضاً الحكم...". ومن سمات هذه
السلطة البطش بكل من يخالفها الرأي ونشر
الخوف والرعب بواسطة زبانيتها ومخبريها.
فالذين تجرؤا على بيت النبوة أصبح كل
الناس بعد ذلك أهون عندهم، لذلك جرى بعد
كربلاء وقعة الحرة في المدينة والتي قتل
فيها الكثير من الصحابة والتابعين وضربت
بعدها الكعبة بالمنجنيق، حتى أصبح
المسموح فقط أن يعيش الناس تحت رحمة
السلطان يأكلون ويتمتعون ويسكتون عن
الظلم والانحراف ولا يجرؤون على تغيير ذلك
ولو بالكلمة.
2-
انتشار التمزق والانقسام
والفرق التي لا ضابط لها مع انحسار دور
عترة النبي (ص) التي تمثل القيادة الراشدة
نتيجة لإبعاد من تبقى من أهل بيت النبوة عن
الساحة من خلال ملاحقتهم أو ملاحقة من
يؤيدهم ويقترب منهم. وهكذا صارت كل فرقة
ترسم لنفسها واقعاً يحفظها ويحميها ويبرر
مواقفها السياسية عقائدياً وفقهياً وقد
أسس ذلك لنشوء فرق ضالة مغالية كثيراً في
طروحاتها البعيدة عن هدي القرآن والسنة
والعترة النبوية وكانت الأحقاد والثارات
تحرك الكثير من تلك الفرق فضلاً عن الحكام
الذين كانوا ساعة يحاربون هذه الفرقة
وساعة يحرضون هذه على تلك سعياً لتثبيت
سلطتهم وسيطرتهم عليهم جميعاً، وكان
لأعداء الإسلام دوراً كبيراً في نشر تلك
الفرق إلى يومنا هذا وجاءت الأجيال
اللاحقة وقد ورثت ثقافة الفرق المذهبية
والعقائدية، فأصبح من الصعب إن لم يكن من
المستحيل إذابة تلك التقسيمات المذهبية
ولكن وعي المخلصين ينبغي أن يتوجه لجمع
الأمة حول قواسمها المشتركة وأهدافها
الواحدة لتعود إلى سابق عزها وقوتها.
الآثار
الإيجابية لوقعة كربلاء
كما كان
لكربلاء آثاراً سلبية فقد كان لها أو
بالأحرى لمواقف الإمام الحسين عليه
السلام نفسه وأهل بيته وأصحابه فيها
أثاراً إيجابية ودروساً عظيمة الأثر من
الحفاظ على مبادئ الإسلام ومستقبل الأمة
انطلاقاً من قوله (ص): "إني تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي لا يفترقان حتى
يردا عليّ الحوض". ونذكر من تلك الآثار:
1-
بيان الفرق بين إرث
الأنبياء وإرث الملوك، فالملوك يورثون
أبناءهم السلطان والجاه والمال والعيش
الرغيد وحياة الدعة واللعب واللهو يضاف
إليها قسوة القلب والتجبر على الرعية. أما
إرث الأنبياء فشيء آخر كلياً إنه أولاً
العلم والقيم الإنسانية العالية من
التواضع إلى الزهد والعيش كما يعيش أفقر
الناس إضافة إلى التضحية والجهاد وصولاً
للشهادة، وذلك هو الابتلاء الذي اختص الله
به أحبابه وأولياءه الأمثل فالأمثل، وتلك
كانت التركة التي تركها سيدنا محمد (ص)
لأهل بيته وهم قد حملوها بصدق وأمانة،
وكان استشهاد الحسين وأهل بيته دليلاً على
ذلك مع أنه كان بإمكانه مسايرة الحكام
والعيش بسلام وأمان، وكان الحكام على
استعداد لإغرائه بكل المغريات من أجل ذلك،
ولكنه أبى إلا أن تكون نهايته كنهاية
الكثير من الأنبياء وأبنائهم وبذلك استحق
هؤلاء السيادة في الدنيا والآخرة واستحق
أعداؤهم الخزي واللعن في الدنيا والآخرة.
2-
إنارة طريق المجاهدين
الأحرار عبر التاريخ، فاستشهاد الحسين
عليه السلام كان النور الساطع الذي استمر
عبر التاريخ ينير درب الأحرار والمجاهدين
ويقوي عزيمتهم فلا يخشون في الله لومة
لائم ويتمنون دائماً أن تكون نهايتهم
كنهاية الحسين عليه السلام لأن في ذلك
النصر الحقيقي في الدنيا والآخرة فقد
اقتضت حكمة الله أن يسفك دم أهل بيت النبوة
فداء للرسالة العظيمة التي جاء بها أحب
الخلق إلى الله لتكون دافعاً وسلوى لكل
المجاهدين الصابرين. وكل الحركات
الإسلامية عبر التاريخ إنما هي صدى لحركة
الحسين عليه السلام وهي تستمد النور لرؤية
طريقها من الدرب التي سار عليها الحسين
نحو الشهادة. فالإصلاح والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وإزالة الطاغوت والحكم
بشرع الله وكل تلك الأهداف التي تحملها
الحركات الإسلامية في عصرنا الحالي إنما
هي شعارات وأهداف رددها الحسين عليه
السلام حين توجه لمصيره المحتوم في كربلاء
غير عابئ بالثمن الذي سيدفعه هو وأهل بيته
في سبيل الله. وتلك هي الطائفة التي تحدث
عنها رسول الله (ص): "لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم
حتى يأتي أمر الله"، بدأ مسيرتها الحسين
(ع) وتستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
3-
توضيح طبيعة الصراع بين
الحق والباطل: فالصراع بين الناس في
الدنيا إذا كان من أجل الدنيا وبين أهل
الدنيا لا بد أن يعتمد على توازن القوى
وتكون الغلبة فيه طبيعياً للأقوى عدداً
وعدة. إلا أن الصراع الذي ينطلق على أساسه
أهل الحق في مواجهتهم لأهل الباطل يختلف
في أهدافه وأساليبه ونتائجه، فالهدف ليس
تحقيق مكاسب دنيوية كالسلطان والجاه
والمال، بل الهدف نصرة الحق ودين الله وهو
ما دفع الحسين لتلك الحركة التي قام بها.
وأهل الحق في صراعهم هذا لا يستعملون
أساليب الباطل في التعدي على الضعفاء
والظلم ونقض العهود، إضافة إلى أن عدة
المؤمنين في المعركة تختلف عن عدة غيرهم
إذ أن زادهم الأول هو الاتكال على الله
ويقينهم بأن النصر من عند الله من دون
إغفال جانب الأعداء والاستعداد المأمورون
به بنص القرآن، أما النتيجة فهي من عند
الله (وما النصر إلا من عند الله) فإن قدر
الله لهم النصر شكروا، وإن لم يقدر لهم ذلك
صبروا ورضوا ومضوا في واجبهم نحو الشهادة.
والمؤمنون
عندهم خياران في المعركة لا ثالث لهما،
إما النصر أو الشهادة، وكلاهما نصر في
ميزان الآخرة، لذلك لا يعتبر الدخول في
معركة غير متكافئة تهوراً وإلا فكيف ننظر
إلى معركة بدر الكبرى التي كان المسلمون
فيها أقل بكثير من الكفار، وكذلك معركة
مؤتة التي انهزم فيها المسلمون أمام الروم
لكنها أسست بعد ذلك لنصر عظيم على الروم
أنفسهم أزال دولتهم من الوجود.
إذا فالطريق
التي سلكها الحسين عليه السلام والنتيجة
التي حققها كانت نصراً عظيماً له شخصياً
ولكل من سار على دربه إلى يوم القيامة وما
النصر الذي حققته المقاومة الإسلامية في
لبنان إلا استكمالاً لانتصار الحسين في
كربلاء، والنتيجة نفسها ستحققها
الانتفاضة الإسلامية المباركة في فلسطين
مهما طال الزمن إن شاء الله. وهذا المنطق
طبعاً لا يقنع ضعاف النفوس من المنافقين
الذي قال فيهم الله تعالى (ولله العزة
ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا
يعلمون).
وأخيراً
فالدروس الكربلائية كثيرة لكن المقام لا
يتسع لسردها جميعاً لذلك نسأل الله تعالى
أن ينفعنا من بركات تلك الأرواح الزكية
الطاهرة التي سالت في كربلاء ويجعلها
نبراساً لنا في مسيرتنا نحو الوحدة والنصر
والتحرير.
ملحق
مجالس
عاشوراء مناقشة وتحليل للمظاهر
والممارسات
مع دخول محرم
من كل عام وبدء مظاهر عاشوراء ومجالس
كربلاء يطرح الكثير من المسلمين
التساؤلات، وغالباً ما يتهرب كثير من
العلماء من الخوض فيها تحاشياً للفتنة
والتصادم، مع أن المطلوب كسر هذا الحاجز
ولكن بروح علمية إيجابية متجردة وواعية
وصابرة. ومن هذه التساؤلات:
1-
لماذا تقام هذه المجالس
وتثار تلك الضجة الكبرى حول مقتل الحسين (ع)
وتتلى السيرة الحسينية بكثير من
المبالغة، ألم يقتل قبله أبوه وأخوه
عليهما السلام ومن قبلهما قتل الخليفتان
عمر وعثمان والكثير من الصحابة رضي الله
عنهم، وقبلهم جميعاً فقدت الأمة بوفاة
رسولها (ص) هاديها وباني مجدها وعزها؟
2-
لماذا نكرر مراسم العزاء
والحداد ولبس السواد والبكاء والعويل
وخمش الوجوه وشق الجيوب ولطم الصدور وجرح
الرؤوس والشتم واللعن، أليس في ذلك الكثير
من المخالفات الشرعية؟
ونحن سنعرض
للإجابة على هذه التساؤلات بأكبر قدر من
التجرد من الموروثات الفقهية والتاريخية
معتبرين أنها مقدمة للمناقشة للوصول إلى
صيغة جامعة يتفق عليها، يدعى علماء
المسلمين جميعاً للالتزام بها ونشرها بين
العامة.
* في المبدأ من
إقامة مجالس عاشوراء، وتلاوة السيرة
الحسينية.
فإن إقامة
اللقاءات والاحتفالات بالذكريات
الإسلامية كرأس السنة الهجرية وغزوة بدر
وغيرها أمر مشروع وتلاوة سيرة الحسين (ع)
هي استكمال لتلاوة سيرة النبي (ص) وتاريخ
الإسلام، وهذا مندوب لما فيه من دروس وعبر
شرط اعتماد الأخبار الصحيحة التي لا كذب
فيها ولا تضخيم. أما إثارة ضجة كبرى حول
مقتل الحسين عليه السلام فهو أمر يحتاج
إلى وقفة ملية إذ أن القضية ليست مجرد قضية
استشهاد بطل عظيم سبقه إليها الكثير من
الأبطال عبر التاريخ ولكنها قضية ملحمة
عظيمة وجريمة كبرى لا مثيل لها في التاريخ
ارتكبت بحق أهل بيت النبوة رجالاً ونساءً
وشيوخاً وأطفالاً وكان المقصود منها
إطفاء نور الهدى وإسكات صوت الحق وإبادة
النسل الطاهر من قبل أناس يدّعون الإسلام
والدفاع عنه واتباعهم لنبيه (ص). فالجريمة
تعتبر وصمة عار في تاريخ الإسلام
والمسلمين وفي خير قرونهم بالذات حيث لم
يمض وقت طويل على رحيل نبيهم الذي أخرجهم
من ضلال الشرك إلى نور التوحيد وأسس بناء
دولتهم التي عاشوا في ظل مجدها، فبدل أن
يبادلوه بالشكر انبرى أولئك الأدعياء
لإبادة ذريته واستباحة عرضه فقتلوهم
وشردوهم من دون مبرر شرعي أو عقلي حيث كان
من اليسير إطلاقهم وتركهم يعودون لمدينة
جدهم كما فعل النبي (ص) مع كفار مكة يوم
فتحها بعد أن حاربوه سنيناً حين قال لهم:
"إذهبوا أنتم الطلقاء". والمفارقة أن
جد يزيد أبو سفيان هو من أولئك الطلقاء.
فهل هذه
الجريمة هينة لتنسى على مر الزمان، وما
ظننا بموقف النبي (ص) منها ومن أصحابها،
أفلا تستحق فعلاً الوقوف عندها ملياً
لاتخاذ الدروس والعبر لتجدد فينا في كل
عام وجوب الوقوف في وجه الباطل مهما كان
الثمن اقتداء بسيد الشهداء الحسين عليه
السلام الذي قام إلى إمام جائر فأمره
ونهاه فقتله كما ورد في الحديث الشريف.
فمن حيث المبدأ
إذاً لا مانع شرعاً من إقامة مجالس
عاشوراء، بل هي مندوبة كما ذكرنا لما فيها
من فائدة شرط المحافظة على الأهداف
السامية لها وإن كنا ندرك أن البعض من كلا
المذاهب الإسلامية سيستغلها لإثارة
الفتنة حفاظاً على مصالحه ومواقعه
الفئوية والشخصية فإن ذلك لا ينبغي أن
يدفعنا للإحجام عن المشاركة في تلك
المجالس لتأكيد وحدة الأمة وعدم احتكار
فئة منها للحسين عليه السلام وقضيته، وفي
المقابل على المخلصين من السنة والشيعة أن
يجتمعوا ويقيموا الذكريات الإسلامية
العظيمة جميعها بشكل مشترك كذكرى الهجرة
والمولد وغزوة بدر وغيرها من المناسبات
التي تعطي الأمة دفعاً قوياً نحو وحدتها
وجهادها وانتصارها على أعدائها إن شاء
الله.
في
الشكل والمظاهر والممارسات التي تجري في
عاشوراء.
ولعله إذا كان
من اليسير على معظم المسلمين تفهم مبدأ
إقامة مجالس عاشوراء، إلا أن المشكلة تكمن
في المسائل الشكلية التفصيلية والممارسات
التي تجري في تلك المجالس بدءاً من عنوان
مراسم العزاء إلى لبس السواد والبكاء
والعويل وخمش الوجوه وشق الجيوب ولطم
الصدور وجرح الرؤوس والشتم واللعن؛ ولذلك
ينبغي معالجة هذه المسائل بكثير من
التفكير والتدبر والاحترام المتبادل، ومن
خلال وضع قواعد شرعية متفق عليها ويمكن
تلخيص هذه القواعد بما يلي:
1-
إننا جميعاً ملزمون باحترام واتباع
النصوص الثابتة الصحيحة عند كل فريق.
2- إن المسائل المتفق على جوازها ليست محل إشكال ولكن ينبغي تحديدها وبيان الفائدة منها.
3- إن المسائل المتفق على النهي عنها ينبغي تركها من دون حرج وإفهام العامة بذلك تدريجياً إذا اقتضى الأمر.
4-
إن المسائل المختلف فيها فعلى من تنكرها
نصوصه أن يقدر واقع من تجيزها نصوصه، وعلى
من تجيزها نصوصه أن يقدر ظرف من تنكرها
نصوصه.
وعلى كلا
الفريقين أن يتجاوزا تلك المسائل
باعتبارها شكلية والتحول عنها إلى الأمور
الجوهرية التي سماها القرآن بالبينات
عملاً بقوله تعالى (ولا تكونوا كالذين
تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات).
وننتقل الآن
إلى مناقشة تفصيلية لمظاهر ذكرى عاشوراء.
1-
في الاسم: يتداول الشيعة
تسمية المجالس بمجالس العزاء أو مجالس
عاشوراء أو مجالس كربلاء، والتسمية
الأولى تعتبر إشكالاً عند السنة لأنه ثبت
عندهم أنه لا حداد فوق ثلاث، فلا تجيز
نصوصهم الصحيحة إقامة العزاء بعد ثلاثة
أيام من الوفاة بغض النظر إن كان هذا النص
ثابتاً عند الشيعة أم لا، فإن ترك عبارة
العزاء لا تعد تركاً لواجب شرعي، كما أن
الوقوف على تسمية مجالس عاشوراء أو كربلاء
كاف للإشارة للمضمون وهو متداول،
فاستعماله أفضل عند دعوة السنة لحضور تلك
المناسبة رفعاً للحرج عندهم؛ والحفاظ على
وحدة الأمة مقدم على الحفاظ على عبارة
شكلية.
2- لبس السواد: إن لبس السواد مسألة خلافية عند السنة والشيعة على السواء لأن من الفريقين من يجيزه ومنهم من ينكر تخصيصه لمناسبة العزاء، وقد أصبح عادة أكثر منه تصرفاً دينياً، وفي بعض البلاد الإسلامية من عادتهم لبس البياض عند الحداد، وقد أصبح اللباس بالنتيجة نوعاً من التمايز في المناسبات والأعمال، فللشرطة لباسهم، والجيش كذلك والأطباء والمحامون وأصحاب الحرف ألبسة خاصة. لذلك لا نرى أهمية للوقوف كثيراً عند هذا الموضوع طالما أنه ليس فيه نص متفق عليه.
3- البكاء والعويل وخمش الوجوه وشق الجيوب ولطم الصدور وجرح الرؤوس: أما البكاء فهو مندوب في الإسلام عند المصيبة اقتداء برسول الله (ص) الذي بكى على عمه حمزة وولده ابراهيم وجميع المسلمين وحث نساء الأنصار على البكاء على حمزة واعتبره رقة ورحمة وشفقة ومحبة لا تخدش الإيمان والرجولة ولقد بكى الناس جميعاً عند رؤية مقتل الشهيد الطفل محمد الدرة بين يدي والده وكان لذلك تأثيراً بالغاً في النفوس نحو جهاد اليهود واشتداد الانتفاضة، ولعل الاطلاع على أخبار مصارع الحسين وأصحابه ومنها طفله الرضيع الذي قتل بين يديه يؤدي نفس الغرض في بعث روح الجهاد ضد الباطل وأهله. كما حض النبي (ص) على البكاء والتباكي عند تلاوة القرآن لأنه أدب المؤمنين وخلقهم القرآني الذي يحض على التفكر والبكاء وينهى عن الفرح والضحك واللهو، قال تعالى: (إن الله لا يحب الفرحين)، وقال: (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون"، وقال رسول الله (ص): "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً". وكثرة الضحك تميت القلب ولا يراد من البكاء معنى الوقوف على الأطلال، بل إن الحزن والبكاء يدفع أصحابه للانتصار للمظلوم من الظالم، وهذه الروح الجهادية في مجالس عاشوراء هي التي بعثها مجدد الدين وباعث النهضة الإسلامية المعاصرة ومفجر الثورة الإسلامية الإيرانية المباركة الإمام الخميني رحمه الله والقيادة الراشدة في الجمهورية الإسلامية على أثره في ذلك. ولكن الحدود الشرعية للحزن والبكاء هي قوله (ص): "إن القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا ما يرضي الرب". وقوله (ص): "ليس منا من خمش الوجوه وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". إذاً فالبكاء محمود ومندوب، وأما العويل وخمش الوجوه وشق الجيوب وكل تصرف انفعالي يؤذي صاحبه ويفقده رشده منهي عنه بالاتفاق بين جميع مذاهب المسلمين وأشد من ذلك جرح الرؤوس تقليداً للتوابين الذين ندموا على فعلتهم مع الحسين عليه السلام حيث دعوه للكوفة وعاهدوه على النصرة ثم نقضوا عهدهم ووقفوا في صف عدوه فلما قضى الحسين عليه السلام شهيداً أظهروا التوبة والندامة بضرب أنفسهم بالسيوف تشبهاً بما جرى للحسين عليه السلام وأصحابه. وإذا كان أولئك القوم قد وجدوا لأنفسهم عذراً في فعل ذلك، فما عذر من يفعل ذلك اليوم بنفسه وهو لم يتسبب بمقتل الحسين بل إنه يعتبر نفسه مطيعاً ومتبعاً له وسائراً على خطاه؟
أما لطم الصدور فإن كان بنفس
مقصد جرح الرؤوس فهو منهي عنه طبعاً لكنني
ألاحظ أن المخلصين من الشباب حين يقومون
بذلك إنما يؤدون هذه الحركة بصورة حماسية
متناسقة مع الإنشاد الحماسي الذي يراد منه
تحريك المشاعر والتقوي على طاعة الله
ومجاهدة أعدائه، وقد ورد في بعض الأخبار
أنه (ص) كان يضرب صدور أصحابه مباركة
وتشجيعاً وتثبيتاً كما كان يضرب بطونهم
لتسوية صفوفهم في المعركة، وهكذا يفعل
القادة والمدربون مع الجنود أثناء
التدريب. لذلك يمكن حمل هذه الحركة على هذا
الأساس وبالتالي جوازها شرعاً إذا حافظ
الشباب فيها على وعيهم ولم تسبب بإيذاء
شديد لهم، والأساس في ذلك النية في التقوي
على طاعة الله ورسوله ومجاهدة أعدائه.
الشتم
واللعن
إن الشتم
والسباب والسخرية ونيل الأعراض بالكلام
البغيض السفيه منهي عنه في القرآن حتى بحق
آلهة الكفار، قال تعالى: (ولا تسبوا الذين
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير
علم) ولسان المؤمن أطهر من أن يستعمل
ألفاظاً سفيهة نابية بحق أي إنسان.
أما اللعن
فمشروع ووارد في القرآن والسنة بحق الكفار
والظلمة، فقد لعن الله في كتابه العزيز
إبليس وبني إسرائيل وفرعون وأبي لهب وسائر
الظلمة والطواغيت، ولعن النبي (ص) أعداءه
عامة وأشخاصاً بعينهم خاصة، ونحن نتقيد
بلعن أولئك الناس في تلاوتنا للقرآن
واقتدائنا برسول الله (ص) فلا يصح القول أن
الأفضل ترك اللعن، اللهم إلا لمن شك في
استحقاقه لذلك. ومن هذا القبيل يجوز لعن
الظلمة الذين اعتدوا على أهل بيت النبوة
وقتلوهم وشردوهم إضافة لكل من أمرهم
وحرضهم على ذلك أو رضي بعملهم؛ ولابن
الجوزي رحمه الله رسالة مشهورة في ذلك
ولكن هذا اللعن ينبغي أن يتوقف عند
مستحقيه مباشرة دون مجاوزتهم إلى غيرهم من
المسلمين الذين سبقوهم أو كانوا في زمانهم
أو جاؤوا بعدهم ولم يشاركوهم فعلتهم بفعل
أو أمر أو رضا ولو كانوا ذوي قربى لهم،
فليس من شرع الإسلام أخذ الواحد بجريرة
غيره (ولا تزر وازرة وزر أخرى).
والمشكلة هي في
انتقال السب واللعن إلى الخلفاء الراشدين
الأربعة والكثير من الصحابة للخلافات
التي جرت بينهم حول الخلافة، وحتى وقعة
الجمل، والفيصل في الموقف السليم في هذا
الأمر هو أهل البيت أنفسهم والصحابة معهم
الذين كانوا أصهاراً وأقارب، وكانوا
جميعاً يقدمون أهل البيت على أنفسهم
وأولادهم وسموا أولادهم بأسماء بعضهم
بعضاً حيث لم ينقل عن واحد منهم على رغم
اختلافهم حول الحكم أنهم سبوا بعضهم أو
لعنوا بعضهم. فشتان بين موقف الخليفة أبي
بكر رضي الله عنه من الإمام علي عليه
السلام حين توقف عن بيعته أول الأمر، وحيث
استقال أبو بكر من بيعته وبين موقف من قتل
الحسين وأهل بيت النبوة حين رفض مبايعة
يزيد، وشتان بين موقف الإمام علي عليه
السلام ومسامحته لأهل الجمل ولعنه من قتل
الزبير رضي الله عنه من موقف الذين رفضوا
السماح للحسين وأهله الشرب من الماء
وحرقوا عليهم خيامهم وقتلوهم وشردوهم،
ولذلك سمي أولئك بالخلفاء الراشدين وسمي
غيرهم بالملكيين الاستبداديين.
إذاً فلنكن
جميعاً في موقف الاقتداء الصادق بمن نحب
ونتبع إن كنا نريد الله ونسعى لوحدة أمة
نبيه (ص) ولنصرة دينه ونيل رضوانه.
وفي الختام
نشير إلى الدور الذي يجب أن يلعبه تجمع
العلماء المسلمين في لبنان في نشر هذه
الثقافة الواعية المجاهدة التوحيدية من
خلال برنامج ومنهج مدروس ونشاط مستمر.
ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً
ويرزقنا اتباعه، وأن يجمع كلمة المسلمين
على الحق والدين وينصرهم على أعدائهم
أجمعين إنه نعم المولى ونعم النصير وآخر
دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وأفضل
الصلاة وأتم التسليم على حبيبنا محمد وآله
الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.